بصيت لشاشة الموبايل ثواني طويلة… اسم سلفتي منور قدامي، وأنا قلبي بيدق بطريقة غريبة. رديت وأنا بحاول أكون طبيعية: ـ ألو… إزيكِ؟ صوتها كان هادي جدًا، كأن مفيش أي حاجة حصلت. قالت: ـ حبيبتي، وصلتك الحاجة؟ بصيت على الكيس اللي لسه مفتوح قدامي، وحسيت بغصة في حلقي. قلت: ـ آه… وصلت. سكتت ثانية، وبعدها قالت بابتسامة باينة في صوتها: ـ يارب تكون عجبتك، أنا قولت بدل ما أفضل شايلة الحاجات دي، أولادك يستفيدوا بيها.
“بدل ما أفضل شايلة الحاجات دي…” الجملة نزلت عليّا كأنها صفعة. يعني فعلًا… هي كانت بتتخلص من حاجات قديمة، وشافت إن أولادي هم المكان المناسب لها. حاولت أتمالك نفسي، وقلت بهدوء: ـ تسلمي… ربنا يخليكِ. لكن واضح إن نبرة صوتي فضحتني. قالت بسرعة: ـ مالك؟ حسيتك متضايقة. هنا كنت بين اختيارين… إما أبلع الإهانة وأسكت، أو أتكلم وأريح قلبي. ولأول مرة، قررت ما أسكتش. قلت: ـ بصراحة؟ آه، اتضايقت.
سكتت. كملت وأنا بحاول أكون محترمة: ـ مش عشان اللبس نفسه… بس عشان الإحساس. أنا عمري ما حسّستكم إني محتاجة، ولا طلبت حاجة. وإنتِ قلتي هدية، فطبيعي أتوقع حاجة تفرّح الأطفال، مش حاجات قديمة جدًا وكأنها للتخلص منها. الصمت طال بينا. لدرجة إني افتكرت إنها قفلت. لكن فجأة، سمعت صوتها… مختلف تمامًا. صوتها كان مكسور. قالت: ـ والله… والله ما كان قصدي أجرحك. سكتُّ. قالت وهي شبه بتعيط: ـ إنتِ فاكرة إن جوزي راجع من الخليج يعني الدنيا وردي؟ إنتِ ما تعرفيش إحنا عايشين إزاي.
استغربت. هي طول عمرها قدام الناس شكلها مرتاحة، لبسها شيك، وأولادها دايمًا بأحدث الحاجات. قالت: ـ الناس فاكرانا أغنيا… لكن الحقيقة إننا غرقانين ديون. جوزي رجع بخسارة كبيرة، وحتى الهدايا اللي جابها لأولاده كانت من باب إنه يحسسهم إنه رجع مش مكسور. وأنا… والله ما كان عندي حاجة أبعتهالك غير اللبس ده. كنت ساكتة… مش عارفة أصدق ولا لأ.
كملت: ـ ولما بعتي الأكل، حسيت بإحراج شديد. حسيت إني لازم أرد بأي حاجة، حتى لو بسيطة. اللبس ده كان لسه نضيف بالنسبة لي، وقلت بدل ما أسيبه يمكن أولادك يلبسوه في البيت… والله ما فكرت إنها إهانة. بصراحة… كلامها لخبطني. جزء جوايا كان لسه زعلان، وجزء تاني بدأ يحس بالذنب. لكن قبل ما أرد، سمعت صوت راجل بيزعق في الخلفية. صوت عالي جدًا. كان جوزها. وهو بيقول بعصبية: ـ إنتِ بتكلمي مين؟! ولسه بتحكي للناس مشاكلنا؟!
وبعدها سمعت صوت حاجة وقعت. وصوتها هي وهي بتقول: ـ سيب التليفون! حرام عليك! وقبل ما أستوعب… الخط اتقفل. وقفت مكاني متجمدة. قلبي وقع. فضلت أبص للموبايل وأنا مش مصدقة اللي سمعته. هل هو ضربها؟ هل كانت بتستخبى وبتكلمني؟ هل كل اللي كانت بتحكيه حقيقة؟ اتصلت بيها فورًا. مرة… اتنين… خمسة… مفيش رد. اتصلت على جوزها، مردش. طول الليل وأنا مش عارفة أنام.
الكيس القديم اللي كنت شايفاه إهانة، فجأة بقى آخر حاجة أفكر فيها. كل اللي في دماغي كان سؤال واحد: هي كويسة… ولا حصلها حاجة؟ الصبح بدري، لبست بسرعة وقررت أروح لها بنفسي. جوزي قال: ـ استني، يمكن تكوني فاهمة غلط. لكن قلبي كان بيقولي إن في مصيبة. وصلت بيتها… وخبطت الباب. مرة… مرتين… مفيش رد. لكن الغريب… باب الشقة كان موارب. دفعت الباب بإيدي ببطء…
وناديت: ـ يا أم أحمد…؟ إنتِ هنا؟ مفيش صوت. دخلت خطوة… ولقيت الصالة متبهدلة بشكل مرعب. كرسي واقع. كوباية مكسورة. وطرحة مرمية على الأرض. ونفَسي بدأ يضيق. ناديت بصوت أعلى: ـ يا بنت الناس! ردي عليّا! وفجأة… سمعت صوت خافت جدًا جاي من أوضة النوم. صوت بكاء. قربت ببطء… وفتحت الباب… واتصدمت من اللي شفته. لقيتها قاعدة على الأرض جنب السرير… حاسّة كأنها مش هي.
وشها شاحب، عينها وارمة بشكل واضح، وفيه أثر كدمة زرقا تحت عينها الشمال. أول ما شافتني، حاولت بسرعة تقوم وتعدل طرحتها كأنها عايزة تخبي كل حاجة. قالت بصوت مكسور: ـ إنتِ… جيتي؟ جريت عليها من غير تفكير. ـ مين عمل فيكي كده؟! مع إني كنت عارفة الإجابة… لكن كنت محتاجة أسمعها منها. قعدت تبكي بصمت، والدموع بتنزل من غير صوت. قالت: ـ مفيش… خناقة عادية. قلت بعصبية: ـ دي مش خناقة عادية! دي بهدلة وضرب وإهانة.
بصتلي بنظرة غريبة… نظرة واحدة فيها خوف وتعود واستسلام. قالت: ـ أنا متعودة. الجملة دي كسرتني. إزاي واحدة تقول “أنا متعودة” على الضرب كأنها بتقول “أنا متعودة على الشاي الصبح”؟ قعدت جنبها، ومش عارفة أقول إيه. هي اللي بدأت تحكي. قالت إن جوزها من أول الجواز عصبي، لكن بعد سفر الخليج الموضوع زاد جدًا. كان كل ما يخسر شغل أو يدخل في أزمة، يفرغ غضبه فيها. وفي آخر سنة بالذات، بقى أسوأ.
ضرب. إهانة. تحكم. تهديد. وهي ساكتة… عشان الأولاد. عشان كلام الناس. عشان “الست تستحمل”. قالت وهي بتبص في الأرض: ـ أنا حتى لما كلمتك امبارح، كنت بس محتاجة حد يسمعني… حد يحسسني إني لسه إنسانة. الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة. أنا طول الوقت كنت مركزة في كيس اللبس… وهي كانت بتغرق وأنا مش شايفة. مسكت إيدها وقلت: ـ إنتِ مش لوحدك. وأنا مش هسيبك. بصتلي بسرعة وقالت بخوف: ـ لأ… بالله عليكي، ما تدخليش نفسك. لو عرف إن أنا حكيت، هيقتلني.
في اللحظة دي… سمعنا صوت مفتاح الباب الخارجي. هي اتجمدت. وشها فقد لونه تمامًا. همست: ـ هو جه. قلبي وقف. بصت حواليها بسرعة، وقامت تشيل الكوباية المكسورة من الأرض بإيد مرتعشة. قلت: ـ سيبيها. قالت وهي شبه بتنهار: ـ لازم أمثل إن كل حاجة طبيعية… بالله عليكي ما تقوليش حاجة. خطواته كانت بتقرب. صوت الباب بيتقفل. صوت رجولي تقيل دخل البيت كله.
ـ مين عندنا؟ بصتلي وهي مرعوبة. أنا وقفت… وكل ذرة غضب جوايا صحيت. دخل الأوضة. بصلي، وبصلها، وفهم كل حاجة من ثانية واحدة. قال ببرود مخيف: ـ أهلاً… زيارة مباركة. رديت وأنا بحاول أثبت: ـ جيت أطمن عليها. ابتسم ابتسامة مستفزة وقال: ـ من إمتى الستات بقت تطمن على بعض الصبح بدري بالشكل ده؟ سلفتي كانت واقفة ورايا، حرفيًا بترتعش. قلت: ـ من إمتى الرجالة بقت تضرب ستاتها بالشكل ده؟
الصمت نزل على الأوضة كأنه حجر. هو بطل يبتسم. وبطء جدًا… قرب ناحيتي. قال بصوت واطي أخطر من الصريخ: ـ إنتي بتدخلي نفسك في اللي مالكيش فيه ليه؟ أنا كنت خايفة، جدًا كمان… بس خوفي عليها كان أكبر. قلت: ـ لأن اللي بيحصل ده حرام. وجريمة كمان. ضحك ضحكة قصيرة باردة. وبعدين قال الجملة اللي خلت الدم يجمد في عروقي: ـ طيب اسأليها مين السبب الحقيقي في كل اللي حصل.
بصيت لها باستغراب. هي نزلت عينها فورًا. قلت: ـ يعني إيه؟ بصلها هو وقال: ـ قولي لها. قولي لها ليه أنا متعصب من أسبوع… وقولي لها ابن مين اللي كان بيبعتلك رسايل الساعة ٢ بالليل. حسيت الأرض بتميد تحت رجلي. بصيت لسلفتي… كانت منهارة. وشها كله خوف وفضيحة وانكسار. همست بصوت شبه مختفي: ـ الموضوع مش زي ما هو فاهم… لكن هو قاطعها بصوت عالي: ـ اخرسي!
وبعدين رمى موبايله على السرير قدامي. الشاشة كانت مفتوحة… على محادثة. اسم راجل غريب. ورسائل واضحة جدًا… أكتر مما كنت أتخيل. رفعت عيني عليها بصدمة… وقبل ما تنطق بأي كلمة، قالت وهي بتبكي: ـ أقسم بالله… الموضوع له تفسير، بس لو عرفتي الحقيقة كلها… عمرك ما هتسامحيني. بصيت لها وأنا حاسة إن الدنيا كلها بتلف بيا. من ساعة واحدة بس، كنت داخلة البيت وأنا شايفة نفسي جاية أنقذها من ظلم جوزها…
وفجأة لقيت نفسي واقفة وسط سر أكبر بكتير. جوزها وقف وهو حاطط إيده في جيبه، وملامحه كلها شماتة وغضب. قال: ـ اتفضلي… اسمعي منها. أنا ساكت من شهور، ومستحمل عشان البيت والعيال. لكن خلاص، كل حاجة بانِت. سلفتي كانت بتنهار قدامي. قعدت على طرف السرير، ودموعها بتنزل بدون توقف. قالت بصوت متقطع: ـ الراجل ده… مش زي ما إنتوا فاهمين. صرخ جوزها: ـ أمال إيه؟! شيخ جامع؟! رفعت رأسها لأول مرة، وقالت: ـ ده دكتور.
سكتنا. كملت وهي بتبكي: ـ دكتور الأورام بتاع أمي. بصيت لها بعدم فهم. قالت: ـ أمي تعبانة من سنة… سرطان. وأنا مخبية على الكل، حتى على إخواتي. العلاج غالي جدًا، وجوزي كان وقتها داخل في خسائر ومش طايق نفسه، وكل ما كنت أطلب فلوس كان يزعق ويقولي: “أنا مش ناقص.” جوزها قاطعها بعصبية: ـ لأننا كنا مديونين أصلًا! قالت: ـ وأنا كنت أعمل إيه؟ أسيب أمي تموت؟ الصوت خرج منها لأول مرة قوي، كأنها كانت شايلة جبل وانفجر.
ـ الدكتور ده كان بيساعدني في مواعيد العلاج، وفي التخفيضات، وفي الأوراق… وكان أوقات يبعت يطمن عليا وعلى أمي متأخر بعد الشغل. والرسائل اللي شفتها… كانت عن التحاليل والعلاج. بصيت للموبايل مرة تانية. فعلاً… لما ركزت، لقيت وسط الرسائل كلام عن جلسات وتحاليل وأسماء أدوية… لكن فيه جمل كانت ممكن تتفهم غلط بسهولة. مثل: “ما تقلقيش، أنا معاكي للآخر.” وجملة: “إنتِ قوية أكتر مما تتخيلي.” جوزها قال بسخرية: ـ آه طبعًا… شغل دكاترة بريء جدًا.
بصيت له وقلت: ـ طب إنت سألت؟ حاولت تفهم؟ ولا قررت تتهم وخلاص؟ سكت. هي مسحت دموعها وقالت: ـ أنا غلطت… غلطت إني خبيت. وخفت. وكل يوم كنت بقول هقوله بكرة، لحد ما بكرة ما جاش. لكن والله… والله ما خنتك. الصمت كان تقيل جدًا. أول مرة أشوف راجل بين غضبه ووجعه بالشكل ده. هو كان مصدوم… ومجروح… ومش عارف يصدق. لكن الضرب؟ الإهانة؟ العنف؟ كل ده ما كانش له مبرر.
قلت بهدوء: ـ حتى لو كنت زعلان، مفيش حاجة تبرر اللي عملته فيها. بص للأرض. لأول مرة… سكت فعلًا. أنا قمت، ومسكت الكيس القديم اللي كنت زعلانة منه من امبارح. رفعته وقلت بابتسامة حزينة: ـ تخيلوا… كل ده بدأ بسبب الكيس ده. سلفتي بصتلي وسط دموعها وضحكت ضحكة صغيرة مكسورة. قلت لها: ـ أنا جيت هنا زعلانة منك عشان هدوم قديمة… واكتشفت إنك شايلة هموم لو اتحطت على جبل هدّته.
قربت منها وحضنتها. همست في ودنها: ـ بس بعد كده… ما تسكتيش. لا على وجع، ولا على ظلم، ولا على خوف. هي حضنتني بقوة، وكأنها أخيرًا لقت حد يسندها. بصيت لجوزها وقلت: ـ وإنت… لو عايز بيتك يفضل قائم، لازم تعرف إن الرجولة مش صوت عالي ولا إيد بتتمد. الرجولة أمان. ما ردش. لكن عينيه كانت أهدى من الأول. خرجت من عندهم وأنا قلبي تقيل… لكن أوضح.
في الطريق، فضلت أفكر قد إيه إحنا بنحكم على الناس من مواقف صغيرة، من كيس هدوم، من كلمة، من تصرف ناقص منه نصف الحقيقة. وأحيانًا… الحقيقة كاملة بتكون أوجع بكتير مما نتخيل. رجعت بيتي، حطيت الكيس جنب الدولاب، وبدل ما أرميه… غسلته ورتبته. مش لأن أولادي محتاجينه، لكن لأنه فكرني بحاجة مهمة: مش كل هدية شكلها بسيط تبقى إهانة… أحيانًا بتكون استغاثة صامتة، وإحنا مش بنفهمها إلا متأخر. ومن يومها…
علاقتي بسلفتي اتغيرت تمامًا. بقينا أقرب من الأخوات. وأول مرة، فهمت إن بعض الناس مش محتاجين نصيحة… هم محتاجين فقط حد يصدقهم، قبل ما ينهاروا تمامًا.
