في نص الليل لاقيت موبايلي بيرن رديت وانا قلقان لاقيت حفيدتي اللي عندها ٨ سنين بتكلمني وهي بتعيط وبتقولي سابوني لوحدي في البيت يا جدو مرات بابا قفلت عليا وخدت بابا وحمادة وراحو المصيف ……
وقفت بطولي، والأوضة لفت بيا في الضلمة وأنا بحاول أجمع كلامها.. أحمد ابني، ونهى مراته، وحمادة أخوها الصغير.. مسكت الموبيل جامد لدرجة إن إيدي وجعتني قولي تاني كدة يا ليلى؟.
راحوا السخنة وطنط قالتلي خليكي انتي هنا .. صوتها وجع قلبي وهي بتقولراحوا المصيف وسابوني…..
يا دوب كنت لسه مغمض عيني بقالي بتاع أربعين دقيقة..
مش نوم طبيعي، ده كان الهمدان التقيل اللي بيجي بعد أسبوع يهد الحيل، الأسبوع اللي بيخلي السكوت فيه مكافأة. وأنا في سني ده، تلاتة وستين سنة، مابقتش أعرف أنام زي زمان، النوم بقى بيجي حتت صغيرة متقطعة وخايفة، بس في الأربعين دقيقة دول كنت غطست في سابع نومة. فجأة نورت شاشة الموبيل على الكومودينو وخطفت عيني وسط العتمة في أوضتي في المعادي، جسمي اتحرك قبل عقلي، تلاتين سنة شغال محامي أحوال شخصية علموني أخاف من رنة الموبيل في نص الليل، زي العسكري اللي بيخاف من أي صوت مفاجئ في صمت قـ,ـاتل، مفيش خير بيجي بعد نص الليل، فما بالك
والساعة اتنين الصبح. مديت إيدي لبست النظارة بسرعة وبصيت على الشاشة.. ليلى.. حفيدتي اليتيمة اللي ابني تبناها. فتحت الخط قبل ما يرن تانية كمان ليلى.. يا حبيبتي، في إيه؟ مالك؟. ثواني مسمعتش فيها رد، غير صوت نفس مخنوق، ولا حتى عياط صريح، ده كان أسوأ.. كان صوت طفلة عيطت لما دموعها خلصت، النهنهة اللي بتيجي بعد ما الوجع ياخد كل حاجة ويفضل كاتم على النفس. وبصوت واهن مكسور قالت يا جِدّو… كنت قعدت خلاص على طرف السرير، ورجليا على الأرض، وقلبي بيدق لدرجة إن أطراف صوابعي سقعت أنا معاكي يا ليلى، قوليلي يا حبيبتي إيه اللي حصل؟.
خدت نفس مهزوز وقالت هما مشيوا. في الأول افتكرت إني سمعت غلط مين اللي مشيوا يا حبيبتي؟. بابا وطنط نهى وحمادة.. سافروا السخنة. وقفت طولي، والأوضة لفت بيا في الضلمة وأنا بحاول أجمع كلامها.. أحمد ابني، ومراته نهى، وابنهم حمادة.. مسكت الموبيل جامد لدرجة إن إيدي وجعتني انتي بتقولي إيه؟ سافروا فين؟ وانتي فين دلوقتي؟. أنا في البيت لوحدي.. سابوني وقفلوا الباب بالمفتاح.. قالوا لي نامي عشان مدرستك الصبح يوم الحد. لثواني نسيت إزاي أتنفس، كنت واقف حافي على الخشب، وصوت المروحة بس هو اللي طالع، وبرد غريب بدأ يزحف
في صدري زي تلج بيملا كباية بالراحة. لما الصدمة بتبقى قوية، مابتحسش بالغل في وقتها، الغضب بيجي بعدين، إنما في الأول مبيبقاش فيه غير الذهول. رجعت قعدت تاني على طرف السرير وسألتها بمرارة سابوكي لوحدك في الشقة يا ليلى؟. أيوة.. قالوا لي طنط أم محمد الشغالة هتجيلك الصبح.. بس أنا خايفة أوي يا جدو. سألتها بقلب مقبوض وحمادة؟. همست وهي بتشهق حمادة خدوه معاهم.. عشان لسه صغير وملوش مدرسة.. يا جدو… المرة دي العياط انفجر منها بجد، صوت يقطع القلب هما ليه مسابونيش معاهم؟ هو أنا وحشة؟.
السؤال ده كسر جوايا حاجة كبيرة، في شغلي وقفت قدام محاكم وشفت ناس بتقول كلام ميتحكيش، بس وأنا قاعد في الضلمة وبسمع حفيدتي بتسأل ليه أهلها رموها لوحدها كأنها حمل تقيل، كتمت صرختي بإيدي عشان مطلعش العصبية اللي جوايا فيها، وحاولت أخلي صوتي ثابت انتي مغلطتيش في حاجة، سامعاني؟ ولا حاجة.. أنا مسافة السكة وهكون عندك، ومش هسيبك لوحدك تاني أبداً. الساعة كانت 211 الصبح، كلمت الحاج صبري بواب عماراتي، راجل أصيل رد من أول رنة خير يا أستاذ سمير؟. صبري.. أنا خارج دلوقتي ورايح لليلى في التجمع، الله أعلم هرجع إمتى، خلي بالك من الشقة والكلب.
صبري حس بنبرة صوتي
هاتها معاك يا أستاذ سمير، البت ملهاش غيرك. دخلت مكتبي وفتحت الدرج اللي تحت على الشمال، طلعت جهاز تسجيل صغير، لونه أسود وبسيط، وخدت مفاتيح شقة ابني اللي كانت معايا للطوارئ. لميت شنطتي بسرعة، وبحلول الساعة 5 الصبح كنت قدام باب شقتهم، فتحت الباب بهدوء ودخلت، لقيت ليلى نايمة على الكنبة بدموعها وشنطة مدرستها جنبها.. في اللحظة دي، وأنا ببص في وشها البريء، طلعت الموبيل وبعت رسالة واحدة لابني كمل مصيفك يا أحمد، بس اعتبر إن ليلى ماتت بالنسبة لك من اللحظة دي.. والحساب بينا لما ترجع مش هيكون في البيت، هيكون في حتة تانية خالص مش هتعجبك.
قفلت الموبيل ورميته في الشنطة، وشلت ليلى بالراحة وهي نايمة، وقبل ما أخرج، لمحت ظرف جواب مرمي ورا الباب، مكتوب عليه سري للغاية.. فتحته بإيد بتترعش، وأول ما قريت أول سطر، عرفت إن سفرية السخنة دي مكنتش مجرد مصيف، دي كانت…….
دي كانت خطة هروب من نوع تاني خالص. أول سطر في الجواب كان عبارة عن جملة واحدة نزلت على راسي زي الصاعقة تم تحويل جميع الأرصدة وإيداع عقود البيع في الخزنة البديلة.. التنفيذ بكرة الفجر.
الجواب مكنش من ابني، ده كان موجه لمراته نهى من مكتب محاماة مشبوه أنا عارفه كويس.
ملامحي اتصلبت، وعقلي اللي شغال في القانون بقاله تلاتين سنة بدأ يربط الخيوط ببعضها. أحمد ابني مكنش مجرد أب مهمل، ده كان مغيب أو متورط في مصيبة أكبر منه، ومراته كانت بترتب لليلة اللي الكل هيصحى فيها يلاقي البيت فاضي من كل حاجة.. حتى من البنت اللي ملهاش ذنب.
شلت ليلى بالراحة وهي لسه غرقانة في نومها، جسمها الصغير كان بيترعش وهي نايمة، كأنها بتحلم باللحظة اللي قفلوا فيها الباب وسابوها للضلمة. نزلت بيها السلم وأنا مش شايف قدامي غير الغل اللي مالي قلبي على ابني اللي ضيع أمانته.
حطيتها في الكرسي اللي ورا في عربيتي، وغطيتها بجاكت البدلة بتاعي، وقفلت الأبواب بالكهرباء وأنا عيني على مراية العربية.. لمحت حركة غريبة في شباك شقة أم محمد الشغالة اللي المفروض كانت هتيجي الصبح.. الست كانت واقفة ورا الستارة وبتتكلم في الموبيل وبتبص عليا بقلق.
دورت العربية وطلعت على الطريق الصحراوي مش باتجاه بيتي في المعادي، لكن باتجاه مكتب زميل عمري اللواء عادل، مكنش ينفع أستنى للصبح، الورقة اللي في إيدي دي معناها إن نهى والناس اللي وراها ناويين يصفوا كل حاجة ويهربوا برا البلد خلال ساعات، وسفرية السخنة دي مكنتش إلا تمويه عشان يبعدوا عن العين ويخلصوا إجراءاتهم
في هدوء.
فجأة موبايلي رن.. كان رقم أحمد.
فتحت السبيكر وأنا بسوق بسرعة 140، وجالي صوته مهزوز وواضح إنه شارب حاجة يا بابا.. ليلى فين؟ أنا رجعت الشقة دلوقتي ملقيتهاش! نهى قالت لي إنها عند جارتنا، بس الشقة مفتوحة ومحدش فيها!.
ضحكت ضحكة مكتومة كلها وجع وقلت له رجعت؟ بالسرعة دي يا أحمد؟ ولا هما اللي سابوك هناك ورجعت تلطم؟ اسمع يا ابن سمير البحيري.. البنت معايا، والورقة اللي نهى نستها ورا الباب معايا برضه..
لو عايز تلحق اللي فاضل من شرفك ومن فلوسك، قدامك ساعة واحدة تكون في مكتبي، وإلا قسماً بالله هحبسك أنت وهي في قضية واحدة، وأنا اللي هترافع ضدك!.
قفلت السكة في وشه، وبصيت في المراية لقيت ليلى فتحت عينها وبصت لي بخوف إحنا رايحين فين يا جدو؟.
طبطبت على إيدها وقلت لها بابتسامة خبيثة وأنا بدوس بنزين لآخره رايحين نرجع حقك يا قلب جدو.. ورايحين نوري ناس كتير إن المحامي لما بيتقرص في بيته، بيتحول لديابة مش بتبكي على حد.
وفجأة، وأنا بلف الملف اللي قبل المكتب، عربية جيب سوداء قطعت عليا الطريق بالعرض، ونزل منها تلاتة لابسين كاب، واحد منهم خبط بظهر الطبنجة على إزاز شباكي وهو بيصرخ نزل البنت وهات الظرف يا متر.. بدل ما ندفـ,ـنك مكانك!.
بصيت لليلى
في المراية لقيتها بتكتم صرختها بإيدها وجسمها بيتنفض، في اللحظة دي غريزة المحامي ماتت وصحيت غريزة الوحش اللي بيحمي ضناه. دوست بنزين فجأة وخبطت طرف العربية الجيب عشان أفتح لنفسي سكة، والإزاز اتشرخ من ضـ,ـربة الطـ,ـبنجة بس مكسرش. طرت بالعربية والسرعة عدت ال 160، والموبيل في إيدي مبيسكتش، أحمد ابني بيتصل تاني، فتحت عليه وأنا بصرخ بصوت زلزل العربية الحق بنتك يا أحمد! الرجالة اللي بعتاهم نهى محاوطيني على الطريق.. لو حصلي حاجة دم ليلى في رقبتك يا ناقص!.
أحمد صرخ من الناحية التانية كأنه فاق من غيبوبة، وسمعت صوت فرامل عربية وراه وصراخ نهى وهي بتشتمه، عرفت إنهم كانوا ماشيين وراه. فجأة، عربية أحمد ظهرت في المراية وراه عربية الجيب، وبدأ يكسر عليهم بكل قوته كأنه بيحاول يفدينا، ابني اللي كان خيبة طول عمره، لأول مرة شفت فيه دم البحيري وهو بيقلب عربيته سد بشري عشان يحمينا.
وصلت قدام بوابة مكتب عادل، ورجالته كانوا واقفين مستنيين بالآلي بعد ما بلغتهم باللاسلكي. العربية الجيب أول ما شافت الكمين لفت ورجعت بسرعة جنونية، وعربية أحمد وقفت بعيد ونزل منها يجرجر نهى من شعرها وهي بتصرخ خربت بيتنا يا غبي!.
رميتها في الأرض قدام عادل، وجري عليا وهو بيعيط زي العيال الصغار سامحني يا بابا.. كانت مدياني منوم، كانت عايزة تمضيلي تنازل عن كل حاجة وتهرب بليلى تبيعها لأهلها الأصليين في الخليج!.
نزلت من العربية، وفتحت الباب اللي ورا، ليلى رمت نفسها في حـ,ـضني وهي بتشهق جدو متسبنيش لبابا تاني. بصيت لأحمد وهو مرمي تحت رجلي ونهى بتتشد بالكلبشات، وقلت له ببرود يقـ,ـتّل حق ليلى مش بس فلوس وعقود.. حقها إنك تمـ,ـوت في نظرها عشان تعيش هي نضيفة.
خدت ليلى ودخلت المكتب، وسيبت أحمد في الشارع يواجه مصيره مع القانون، وأنا عارف إن الجواب اللي في جيبي فيه سر تاني يخلي نهى متشوفش الشمس بقيت عمرها، سر يخص مـ,ـوت أم ليلى الحقيقية.. واللعبة لسه في أولها.
بصيت لأحمد بصه أخيرة وهو مرمي على الأرض بيندم، وبعدين دخلت مكتب عادل وقفلت الباب ورانا بضهر الغل اللي في قلبي. قعدت ليلى على كنبة الجلد الكبيرة واديتها كوباية عصير وهي لسه بتترعش، وطمنتها بكلمتين نامي يا حبيبتي، خلاص مفيش حد يقدر يفتح الباب ده علينا.