“كنتم.. كنتم بتعتمدوا عليا،” قولت الكلمة بمنتهى الثبات. “دلوقتي كل واحد يعتمد على نفسه. مش ده اللي قولتوه؟ إني مش مديونة لكم بحاجة؟”
دخلت شيرين على الخط في مكالمة جماعية، وصوتها كان منهار: “ليلى، إحنا محبوسين هنا! المدير بيقول لازم ندفع المصاريف دلوقتي وإلا هيطلبوا البوليس! حولي أي مبلغ وفكي الكارت وبطلي شغل العيال ده!”
ضحكت.. ضحكة طالعة من قلبي: “شغل عيال؟ ده أنا لسه من كام يوم كنت ‘بتاعة أفلام’ و’دراما’.. فاكرة؟ لما كنت مرمية في الشقة مش عارفة أشرب بؤ ميه؟ ساعتها قولتوا لي ‘اتصرفي’.. وأنا دلوقتي بقولكم: اتصرفوا.”
ماما بدأت تعيط..
العياط اللي كنت زمان بضعف قدامه وأجري أبوس إيديها: “يا بنتي حرام عليكي.. أنا أمك! تهوني عليا نتحط في الموقف ده؟ الناس بتبص لنا في الفندق وإحنا مش عارفين نتحرك!”
“وأنا هُنت عليكي يا ماما،” صوتي بدأ يعلى: “هُنت عليكي وأنا لسه طالعة من أوضة العمليات وسبتيني لوحدي عشان تروحي تصيفي بفلوسي! هُنت عليكي وأنا بصرخ من الوجع وتليفونك مقفول! من النهاردة، ليلى ‘البنك’ قفل.. وليلى ‘الممرضة’ استقالت.. وليلى ‘اللي بتشيل المسؤولية’ ماتت.”
قفلت السكة في وشهم.
بعد يومين، رجعوا القاهرة. كنت مجهزة نفسي.
دخلوا الشقة زي الإعصار، وشهم شاحب من التعب والإحراج بعد ما اضطروا يستلفوا من ناس أصحابهم عشان يرجعوا.
ماما دخلت عليا الأوضة وهي بتنهج: “إنتي فاكرة إنك كدة كسبتي؟ البيت ده باسمنا كلنا يا ليلى! إنتي مالكيش حق تمنعينا من حاجة!”
طلعت ملف من جنبي ورميته على السرير: “اقري يا ماما.. اقري كويس.”
فتحت الورق وإيدها بتترعش. شيرين وقفت تقرا وراها وفجأة وشها بقى أصفر زي الكركم.
“ده.. ده عقد بيع نصيبكم؟” شيرين سألت بصوت مهزوز.
“ده عقد بيع ‘حصتي’ في البيت لمستثمر،” قولت لهم وأنا بقوم ببطء بمساعدة العكاز. “بما إنكم كنتم دايماً بتقولوا إني ‘العاقلة’ وإني ‘المسؤولة’ عن الأوراق، فأنتم مضيتم لي على تفويض كامل من سنتين لما كنت بسدد ديونكم.. والنهاردة أنا نفذت. البيت ده هيتباع، وكل واحد فينا هياخد نصيبه الشرعي.. وأنا هشتري شقة تانية بعيد عنكم تماماً.”
ماما وقعت على الكرسي وهي بتشهق: “عوزة ترمي أمك في الشارع يا ليلى؟”
“لأ يا ماما.. نصيبك في البيت يشتري لك شقة صغيرة كويسة، ومعاشك يكفيكي لو بطلتي تصرفيه على نزوات شيرين. أنا مش هرميكي.. أنا بس هسيب إيدك.
عيشوا حياتكم زي ما أنتم عاوزين، بس من غير ما تسحبوا من عمري وصحتي.”
شيرين صرخت: “أنا مش هسكت! أنا هرفع قضية!”
بصيت لها بشفقة: “بفلوس إيه يا شيرين؟ إنتي حتى تمن المحامي مش معاكي.. والفيزا اللي كانت بتدفع لك الكوافير والمصايف، أنا لغيتها للأبد.”
خرجت من الشقة يومها وأنا مش باصة ورايا.
أخدت شنطة هدومي ورحت قعدت في فندق صغير لحد ما إجراءات البيع تخلص.
لأول مرة من سنين، نمت وأنا مش شايلة هم تليفون يجيلي في نص الليل يطلب فلوس أو يشتكي من مشكلة تافهة.
بعد شهر، البيت اتباع.
ماما اشترت شقة وصارحتني إنها ندمانة، بس كنت عارفة إن ندمها عشان “المصلحة” مش عشان “الحب”.
شيرين اضطرت تدور على شغل لأول مرة في حياتها، وبدأت تعرف يعني إيه قرش بيتجاب بالتعب.
أما أنا.. فكملت علاجي الطبيعي.
بقيت أمشي أحسن من الأول بكتير.. مش بس عشان الجرح لمّ.. لكن عشان الحمل اللي كان على كتافي انزاح.
اتعلمت إن “العيلة” مش بالدم بس.. العيلة باللي بيسندك وأنت مكسور، مش اللي بيستنى تقع عشان يدوس عليك.
دلوقتي لما بصحى الصبح في بيتي الجديد، بسمع صوت القهوة
وهي بتغلي، وبستمتع بالهدوء..
بس المرة دي، الهدوء كان “سلام”..
مش “وحدة”.
**تمت**