قريت الرسالة أكتر من مرة
كريم
قفلت الموبايل فورًا
بعد ساعة بعت تاني
“عارف إني ما استحقش حتى تردي بس محتاج أتكلم”
اتجاهلته
لكن الرسائل ما وقفتش
كل يوم رسالة
كل يوم اعتذار
كل يوم كلام عن الندم وإنه خسر كل حاجة
وفي يوم كنت راجعة من الشغل متأخرة
لقيته واقف تحت البيت
أول ما شافني اتحرك ناحيتي بسرعة
كان شكله متبهدل
دقنه طويلة
وعينيه غرقانة إرهاق
وقف قدامي وقال بصوت واطي “خمس دقايق بس”
كنت عايزة أمشي
لكن فضولي غلبني
وقفنا
في الشارع تحت المطر الخفيف
والناس بتعدي جـ . ـنبنا من غير ما تبص
قال “أنا غلطت”
ضحكت بسخـ ـ ـرية “اكتشاف مذهل”
بلع ريقه وقال “أنا كنت فاكر إني بحب ريم”
سكت لحظة وبعدين كمل “بس الحقيقة إني كنت بهرب”
بصيتله ببرود “من إيه”
رد بعد تردد “منك”
الكلمة خلتني أضحك غصب عني
قال بسرعة “إنتِ كنتِ قوية زيادة عن اللزوم يا مها
مسؤولة
واضحة
عارفة إنتِ عايزة إيه
وأنا طول عمري ضعيف”
كان بيتكلم كأنه بيعترف لنفسه قبل ما يعترفلي
قال “مع ريم حسيت إني المسيطر
إني الشخص المهم”
بصيتله باشمئزاز “يعني
خنتني عشان تحس برجولتك”
نزل عينيه الأرض
وساعتها فهمت إن ده فعلًا السبب
مش حب
ولا قصة رومانسية
مجرد شخص ضعيف اختار أسهل طريق يخليه يحس بقيمته
قال بصوت مكسور “أنا خسرتك”
ابتسمت بهدوء “لأ
إنت عمرك ما كان عندك حاجة تخسرها أصلًا”
وسبته ومشيت
ومن يومها اختفى
بعد أسبوعين تقريبًا
رن تليفوني الساعة اتنين بالليل
صحيت مفزوعة
كانت خالتي
أول ما سمعت صوتها قلبي وقع
قالت بسرعة “تعالي إسكندرية حالًا
ريم تعبانة”
ما سألتش أي حاجة
بدلت هدومي ونزلت
طول
الطريق كنت بحاول أقنع نفسي إن الموضوع بسيط
إنها مجرد نزلة برد
أي حاجة
لكن قلبي كان عارف
وصلت بيت خالتي الصبح
أول ما فتحت الباب شفت ريم قاعدة على الأرض جـ .
ـنب الكنبة
حـ ـ ـضنة نفسها
وعينيها حمرا بشكل مرعب
كانت أضعف بكتير من آخر مرة شفتها
جريت عليها من غير تفكير “مالك”
بصتلي
ولأول مرة من سنين
شفت الخوف الحقيقي في عينيها
قالت بصوت مرتعش “أنا حامل”
الدنيا سكتت حواليا
حتى صوت البحر اللي برا اختفى
فضلت باصة لها ثواني طويلة
مش مستوعبة
همست “من كريم”
هزت راسها ببطء
قعدت قدامها وأنا مش عارفة أحس بإيه
غضـ ـب
شفقة
صدمه
كل حاجة كانت داخلة في بعض
قالت وهي بتعيط “هو
مش عايز الطفل”
قفلت عيني للحظة
طبعًا
كريم أصلًا ماكانش عايز يتحمل نفسه
قالت “قاللي إننا غلطنا وإن الأفضل أنزله”
الكلمة خلت معدتي تتقلب
بصيتلها وسألت “وإنتِ”
حـ ـ ـضنت بطنها بإيديها الاتنين كأنها بتحميه من الدنيا كلها
وقالت “مش قادرة”
في اللحظة دي شفت ريم القديمة
البنت الصغيرة اللي كانت بتستخبى ورا ضهري وقت الخوف
وقتها فهمت إن كل اللي حصل
رغم قسوته
ما قـــ ـتلش إنسانيتها بالكامل
خالتي دخلت علينا بهدوء وقالت “لازم تقفي جـ .
ـنبها يا مها”
الكلمة ضايقتني
لأن الناس دايمًا كانت متعودة إني أشيل
إني أصلح
إني أسامح
لكن المرة دي كنت مكسورة أنا كمان
قعدت يومين في إسكندرية
ريم كانت بالكاد بتاكل
وبتنام وهي بتعيط
وفي ليلة
خرجت البلكونة لقيتها قاعدة لوحدها تبص للبحر
قعدت جـ .
ـنبها من غير كلام
بعد شوية قالت “أنا استاهل اللي حصلي”
ما رديتش
قالت “كنت فاكرة إني لما أخد منك حد يحبني هحس إني كسبت”
لفت تبصلي وعينيها مليانة دموع “بس أنا خسرت نفسي”
الكلام دخل جوايا بهدوء موجـ . ـع
لأنها كانت أخيرًا صادقة
مش بتمثل
مش بتبرر
بس إنسانة محطمة
قالت “أنا بخاف”
سألتها “من إيه”
ردت بصوت صغير “إن ابني يكرهني يوم زي ما إنتِ كرهتيني”
الجملة كـ .
ـسرتني
لأن رغم كل حاجة
أنا ماكنتش بكرهها
أنا كنت موجوعة منها بس
مديت إيدي لمست إيدها لأول مرة من شهور
وبهدوء قلت “أنا عمري ما كرهتك يا ريم”
انهارت في العياط فورًا
حـ ـ ـضنتها ساعتها
وإحنا الاتنين بنبكي كأننا رجعنا أطفال تايهين تاني
بعدها رجعنا القاهرة سوا
الناس طبعًا ما رحمتش حد
نظرات
همسات
كلام مستخبي في نص الجمل
لكن ريم اتغيرت
بقت ساكتة أكتر
أهدى
وكأن الحياة ض*ربتها لدرجة فوق قدرتها على المقاومة
وفي يوم
كنت راجعة البيت لقيتها
قاعدة على الأرض وسط أوضة البيبي
كانت بترتب هدوم صغيرة جدًا
وقفت أبصلها بصمت
قالت فجأة “أنا عمري ما شكرتك”
ما فهمتش
بصتلي وكملت “على كل حاجة”
حاولت أغير الموضوع لكن صوتها وقفني
قالت “إنتِ ضحيتي بعمرك عشاني
وأنا رديتلك ده بخـ ـيانة”
كنت واقفة ساكتة
مش عارفة أقول إيه
قالت بابتسامة حزينة “يمكن ربنا عاقبني عشان أفهم قيمتك”
قربت منها وقعدت جـ .
ـنبها
ومرة تانية حسيت بالتعب القديم
تعب الأمهات
لأن ده اللي كنت عليه طول عمري معاها
أم أكتر من أخت
وفي شهرها السابع
تعبت فجأة
الدكتور قال لازم راحة تامة
فبقيت أنا اللي بطبخ
وأوديها المستشفى
وأصحى معاها بالليل
وفي مرة وأنا بعدل لها المخدة قالت فجأة “ليه لسه بتعملي كل ده عشاني”
ضحكت بهدوء “عشان للأسف بحبك”
بكت وقتها بصمت
وفي ليلة الولادة
الدنيا كانت مقلوبة
ريم كانت بتصـ . ـرخ من الألم وأنا ماسكة إيدها
وفجأة شدت على إيدي بقوة وقالت “لو حصلي حاجة خدي بالك منه”
صـ .
ـرخت فيها بعصبية “بطلي هبل”
لكن جوايا كنت مرعوبة
بعد ساعات طويلة
سمعنا صوت عياط طفل صغير
والدنيا كلها وقفت
الدكتور خرج وهو مبتسم “مبروك
ولد”
دخلت أوضة ريم ببطء
كانت مرهقة جدًا
لكن أول ما شافت البيبي حـ ـ ـضنته وبكت
بصتلي بعدها وهمست “سميه إنتِ”
اتجمدت مكاني
قالت بابتسامة ضعيفة “إنتِ أكتر حد يستحق يكون ليه حق فيه”
بصيت للطفل الصغير
وكان شبهها جدًا
قلت بهدوء “آدم”
ابتسمت وهي تعيد الاسم بصوت واطي “آدم”
ومن اللحظة دي
كل حاجة بدأت تتغير
آدم دخل حياتنا كأنه نور صغير وسط الخراب
حتى ريم بقت تضحك تاني
ضحكة خفيفة
حذرة
لكن حقيقية
وفي يوم بينما كنت شايلة آدم
سألتني ريم فجأة “تفتكري ممكن حد يحبني تاني”
بصيتلها طويل
وقلت “لما تتعلمي تحبي نفسك الأول”
سكتت تفكر في كلامي
وبعد شهور قليلة
بدأت تشتغل أونلاين من البيت
وتحاول تبني حياة جديدة
ببطء شديد
كانت بتقوم من تحت الركام
أما أنا
فاكتشفت إني أنا كمان محتاجة أعيش لنفسي شوية
مش بس للناس
وفي عيد ميلاد آدم الأول
كان
البيت مليان ضحك
ريم كانت واقفة في المطبخ بتضحك وهي بتحاول تمنعه من لمس التورتة
وفجأة بصتلي
النظرة دي كانت مختلفة
مافيهاش غيرة
ولا تحدي
بس امتنان
وفي اللحظة دي عرفت إننا يمكن عمرنا ما هنرجع زي الأول
لكن يمكن
بعد كل الخراب
قدرنا ننقذ اللي باقي من العيلة
وأوقات
ده بيكون كفاية جدًا
تمت