الظلمة كانت تقيلة زي الكفن، وصوت صفية وهو بيوش في ودني خلّى شعر جسمي يقف. سلطان كان واقف ورايا زي الصنم، مبيتحركش، وأنا مش قادرة أنسى الجملة اللي قريتها سلطان قـ,ـتل أبوه!
سحبت نفسي بالعافية وخرجت من الحضانة وأنا بسند على الحيطان، سيف كان بيحاول يشغل كشاف موبايله ويصرخ في اللاسلكي، بس مفيش رد. فجأة، حسيت بإيد بتتسحبني من وسط الضلمة لداخل أسانسير الخدمات، كنت هصرخ بس الإيد دي كتمت بؤي.. كان سيف!
همس في ودني وهو بينهج مريم، متمشيش ورا سلطان، الورقة صح..
أنا كنت شاكك فيه من الأول، سلطان مظهرش دلوقتي صدفة، ده ظهر لما عرف إن السلسلة معاكي! الأسانسير نزل بينا للبدروم، وسيف خرجني من باب خلفي ورماني في عربية مركونة وداس بنزين وهو بيقول إحنا لازم نوصل للقصر القديم قبلهم، بنتك هناك، بس مش صفية اللي خطفتها.. اللي خطفها هو الطرف التالت اللي صفية نفسها بتنفذ أوامره.
وصلنا القصر القديم، القصر اللي كان مهجور ومسكون بذكريات الدم. المكان كان غرقان في صمت غريب، ونور القمر راسم خيالات مرعبة على الشجر. دخلت لوحدي زي ما طلبوا، ورجلي بتخبط في بعضها من الرعب والتعب.
في الصالة الكبيرة، لقيت كسي هزاز محطوط في النص، وعليه بنتي.. كانت نايمة بهدوء غريب. جريت عليها وضميتها لصدري وأنا بنهار من العياط، بس فجأة لقيت النور اشتغل، وشفت سلطان واقف قدامي، وماسك في إيده
السلسلة الأصلية!
سلطان قرب مني ببرود وقال أبويا مكانش قديس يا مريم.. أبويا كان كاتب كل حاجة لبنت ابنه اللي اتقـ,ـتل، وحرمني أنا وفارس وصفية من كل مليم، كان لازم يمـ,ـوت عشان الحق يرجع لأصحابه. ضحك ضحكة مكتومة وكمل بس اللعبة وسعت مني لما صفية خبتك، والنهاردة، إنتي وبنتك هتكونوا الجسر اللي هيعديني لثروة الشرقاوي كلها.
وقبل ما سلطان يرفع مسدسه، سمعنا صوت خبط عصاية على الأرض.. وخرجت من ورا الستارة ست عجوزة، وشها متغطي ببرقع أسود، بس عينيها كانت بتلمع بذكاء وشَر يوزن بلد. سلطان أول ما شافها ركع على ركبه وهو بيترعش وقال ست الكل؟
إنتي جيتي إمتى؟
الست دي قربت مني، ومدت إيدها المجعدة ولمست وش بنتي، وقالت بصوت هادي يرعب سلطان ابني خايب، وصفية تلميذة فاشلة.. أنا عزيزة الشرقاوي، مراته الأولى اللي الكل افتكر إنها ماتت من سنين، وأنا اللي كنت بدير اللعبة دي من أول يوم.
بصت لي وقالت بابتسامة خبيثة عارفة الوشم اللي ورا ودن البنت ده إيه يا مريم؟ ده مش وشم.. ده ختم المبايعة اللي جَدك عمله، البنت دي مش مجرد وارثة، البنت دي هي المفتاح لمخزن الذهب والآثار اللي جَدك خباهم تحت القصر ده، والمخزن مبيفتحش غير ببصمة عينها هي!
وفجأة، الباب اتفتح وسيف دخل وهو مصوب مسدسه، بس الصدمة إن سيف موجهش المسدس لسلطان ولا لعزيزة.. سيف وجه المسدس ليا أنا!
سيف قال ببرود آسف يا مدام مريم، بس أنا كمان بشتغل لحساب الست عزيزة.. والآن، وقت الافتتاح وصل.
بصيت لبنتي اللي بدأت تفتح عينيها، وبصيت للوشم اللي بدأ ينور بلون أحمر غريب وكأنه بيتفاعل مع المكان.. وتحت رجلينا، بدأت الأرض تتهز وصوت تروس معدنية بتتحرك تحت البلاط، والست عزيزة صرخت بجنون افتحي يا كنوز الشرقاوي.. الملكة رجعت!
وفجأة، الوشم اللي ورا ودن بنتي بدأ يختفي، وظهرت مكانه حروف باللغة العربية القديمة، خلت الست عزيزة تبرق وتتراجع لورا وهي بتصوت مستحيل! ده مش الختم بتاعي.. ده ختم اللعنة!
الأرض انشقت، وبدل ما يطلع ذهب، طلع دخان أسود كثيف غطى المكان كله، وسمعت صوت بنتي بتضحك ضحكة مش ضحكة أطفال أبداً.. ضحكة خلت القصر كله يتهز وكأنه هيقع فوق دماغنا.
الدخان الأسود كان بيلف في المكان زي الإعصار، وعينين بنتي كانت بتلمع ببريق غريب عمري ما شفته في بشر. الست عزيزة
كانت بتترعش وهي بتسند على عصايتها وبتقول بصوت مهزوز اللعنة.. لعنة الدم! الجد عملها فينا وربط الورث بدم اللي يظلم!
سلطان وسيف وقفوا مكانهم متجمدين، والمسدسات وقعت من إيديهم وكأن فيه قوة خفية سحبت روحهم. وفجأة، الحروف اللي ظهرت ورا ودن بنتي بدأت تنطق نور أبيض غسل سواد المكان، ولقيت القصر كله بيتحول لساحة محاكمة.
من وسط الدخان، ظهر خيال جَد ياسر، بس مكنش خيال مرعب، كان باصص لي بهدوء وطمأنينة وقال بصوت كأنه جاي من بعيد مريم.. السر مكنش في الدهب، السر كان في الأصل.
البنت دي مش بس بنتك، دي هي اللي هتطهر بيت الشرقاوي من كل اللي باعوا ضميرهم.
فجأة، الأرض اللي انشقت بدأت تبلع الست عزيزة وسلطان وسيف، وهما بيصرخوا صرخات مكتومة وكأن الأرض بتسحبهم لتحت لرفضها لوجودهم. وفي ثانية، كل حاجة رجعت لهدوئها، الدخان اختفى، والنور قطع، ومفضلش غيري أنا وبنتي في حضني في نص الصالة المهجورة.
بصيت ورا ودن بنتي، لقيت الحروف اختفت تماماً ورجع جلدها ناعم وزي الفل، والهدوء اللي سكن القصر كان غريب، كأن القصر اتحول. قمت بالعافية وخرجت للبوابة، ولقيت الفجر بيشقشق ونوره بيملى السما.
قدام الباب، لقيت عربية شرطة واقفة، ونزل منها الظابط اللي قبض على صفية، وبص لي بذهول وقال مدام مريم؟ إنتي إيه اللي جابك هنا؟ إحنا
جالنا بلاغ إن فيه حركة غريبة في القصر.. وإيه الشنطة اللي في إيدك دي؟
بصيت لإيدي، لقيتني ماسكة الشنطة السوداء اللي كانت مع عماد المحامي، فتحتها ولقيت فيها تنازلات رسمية وموثقة عن كل أملاك الشرقاوي باسم بنتي ليلى، ومعاها رسالة صغيرة بخط الجد العدل أساس الملك.. والملك لله وحده.
الظابط بص لي باحترام وقال أستاذة مريم، صفية اعترفت بكل حاجة قبل ما تمـ,ـوت في المستشفى من شوية..
إنتي دلوقتي حرة، والبلد كلها عرفت الحقيقة.
ركبت العربية وأنا بضم ليلى لصدري، وببص للشمس اللي طالعة بتمحي سواد الليالي اللي فاتت. عرفت إن الرحلة كانت صعبة، وإن الثمن كان غالي، بس في الآخر، البنت اللي ملهاش قيمة في نظر حماتي وكانت عايزة تقـ,ـتلها، هي اللي أنقذت شرف العيلة وبقت هي سيدة القصر الحقيقية.
وانتهت حكاية مريم وليل بنور الشمس اللي غطى كل الجروح، وبدأ عصر جديد لآل الشرقاوي.. عصر مفيهوش غير الحق، والعدل، وحضن الأم اللي
صانت الأمانة.
تمت
بقلم انجي الخطيب
