الصوت كان ثابت، مش مرتجف، مش خائف ده اللي خوّفني أكتر.
مأمون همس دي مستحيل تكون هي
لكن قبل ما يكمل، الباب اتحرك لوحده.
مش اتفتح بالكامل بس اتزحزح سنة بسيطة، كأن حد من برّه دفعه بدون عنف.
ومن الفتحة ظهر ظل امرأة.
واقفة بهدوء.
لابسة إسدال أبيض بسيط، ووشها مش واضح كامل، بس ملامحها كانت مألوفة بطريقة غريبة مش كأني شوفتها قبل كده، كأني كنت أعرفها في حلم قديم.
دخلت خطوة واحدة بس.
وقالت بهدوء أنا ما جايّة أأذيكِش.
عينها وقعت على الطفل فورًا.
سكتت لحظة طويلة، كأنها بتعدّ أنفاسه.
وبعدين قالت الحمد لله لسه عايش.
حسّيت بإيدي بتتشد تلقائي على الطفل.
إنتي مين بالضبط؟ وإزاي عارفة بيتي؟
رفعت عينيها ليّ أنا اللي كنت في غرفة العمـ,ـليات يوم الولادة.
مأمون اتراجع خطوة ده مستحيل سلمى اختفت
من المستشفى ومحدش شافها!
ابتسمت ابتسامة صغيرة، حزينة عشان محدش كان بيدور في المكان الصح.
سكتت.
وبعدين قالت الجملة اللي كسرت آخر خط دفاع جوايا
الطفل اللي في إيدك كان مكتوب له يمـ,ـوت في اليوم ده.
اتجمدت.
إيه؟
قربت خطوة، وصوتها بقى أوضح حصل خطأ في قرار طبي كان هيخلي طفلين يتبدلوا واحد يعيش وواحد يمـ,ـوت بشكل غير مباشر وأنا وقفت في النص.
نظرت لمأمون وهو كان عارف ده بس اختار يسكت.
التفتت له مرة تانية مش كده يا مأمون؟
مأمون ما ردش.
وده كان الرد الحقيقي.
رجعت بصّت لي الطفل ده مش بس ابنك ده الطفل اللي حاولوا يغطّوا على قصته.
قلبي بدأ يدق بسرعة مؤلمة.
تقصدي إيه يغطّوا؟
سكتت لحظة، وبعدين قالت لأن اللي حصل يومها مش خطأ ده كان قرار متعمد وكان لازم طفل يتبدّل عشان حد تاني يعيش.
حسّيت الدنيا بتلف.
الطفل في حـ,ـضني بدأ يبكي تاني، لكن المرة دي بكاءه كان أعلى كأنه بيرفض الكلام.
بصيت له، وبعدين ليها، وبعدين لمأمون.
صوتي طلع مكسور مين اللي كان لازم يعيش بدل ابني؟
سلمى بصّتلي مباشرة وقالت
ابنة ست البنات.
سكتت الغرفة.
حتى الهواء.
ومأمون همس أخيرًا، بصوت ميت تقريبًا مريم الحقيقة أكبر من كده بكتير.
وسلمى قالت بهدوء مخيف
ولسه ما خلصناش لأن اللي مات يومها في المستشفى مش طفل واحد سكتوا كلهم في نفس اللحظة.
مريم كانت حاضنة الطفل كأنه آخر حاجة ثابتة في العالم، بس إحساسها إن الحقيقة بدأت تتفلت من إيديها كان أقوى من أي حـ,ـضن.
سلمى خدت خطوة لقدّام وقالت بهدوء اللي حصل يوم الولادة كان سلسلة قرارات غلط مش حـ,ـادثة واحدة. اتبدّل ملف واتغطّى توقيع واتفتح باب لعملية مش قانونية لإنقاذ طفل على حساب طفل تاني.
بصّت لمأمون وإنت كنت عارف إن فيه قرار اتاخد من غير ما يتقال للحقيقة كاملة.
مأمون نزل عينه أنا كنت فاكر إني بحمي الجميع لحد ما فقدت السيطرة على كل حاجة.
مريم اتنفسَت بصعوبة يعني ابني كان ضحية قرار؟
سلمى هزّت رأسها كان ضحية خوف وضحية صمت وضحية ناس اختارت ما تقولش الحقيقة في وقتها.
سكتت لحظة، وبعدين قالت الجملة الأخيرة بهدوء لكن دلوقتي مفيش حاجة متخبّية.
مدّت إيدها ووضعت ملف صغير على الطاولة.
ده كل اللي اتسجل من أول دقيقة في غرفة العـ,ـمليات لحد لحظة تبديل الملفات.
مريم بصّت للملف، بس ما فتحتهوش.
لأنها فجأة فهمت إن الحقيقة، مهما كانت، مش هتغير الحاجة الوحيدة اللي بقت أكيدة
الطفل اللي في حـ,ـضنها عايش.
والدموع نزلت من غير صوت وهي بتهمس أنا مش عايزة أعرف مين غلط أنا بس عايزة أحميه.
سلمى ابتسمت لأول مرة وده القرار الوحيد اللي ما اتلخبطش.
مأمون رفع عينه وأنا؟
مريم بصّت له طويلًا ثم قالت بهدوء متعب إنت خلّيتني أعيش مـ,ـوتين واحد من غير طفلي والتاني من غير حقيقتي.
سكتت.
وبعدين كملت بس مش هكمل في نفس الدوامة.
قامت وقربت من الباب، والطفل في حـ,ـضنها هدي تمامًا، كأنه اختارها أخيرًا بدون صراع.
وقبل ما تخرج، سمعت صوت سلمى وراها الحقيقة مش لازم تدمّر أحيانًا بتبدأ حياة جديدة.
مريم ما ردتش.
بس أول مرة من شهور طويلة، خرجت من الباب وهي شايلة طفلها مش مكسـ,ـورة.
بل واضحة.
وخلفها اتقفل باب بيت كان مليان أسرار، لكن لأول مرة، ما بقاش فيه حاجة تخاف منها.