ولأول مرة من ساعة الأزمة، حسيت إن بينا هدنة صغيرة هدنة سببها طفل ملوش ذنب.
يوم خروج ابننا من المستشفى كان عامل زي الحلم.
أمي كانت شايلة الشنطة وبتعيط. أخويا بيضحك لأول مرة من فترة. وأنا شايلة ابني بحذر كأني شايلة قلبي بإيديا.
أحمد كان واقف بعيد، خاېف حتى يطلب يشيله.
بس وأنا بربطه في الكرسي قولتله شيله.
بصلي بعدم استيعاب بجد؟
قولتله ده ابنك.
خده بإيدين مرتعشتين، وأول ما البيبي اتحرك شوية حـ ـ ـضنه پخوف، كأنه خاېف الدنيا تخطفه منه.
وبعدين عيط.
عيط وهو حاضن ابنه في نص المستشفى من غير ما يهتم بحد.
الناس كانت بتبص، وهو ولا فارق معاه.
قال وسط دموعه أنا آسف.
المرة دي مكانش بيقولها ليا.
كان بيقولها لابنه.
عدينا الشهور الأولى بصعوبة.
رجعت البيت بس مش كزوجة رجعت لبيت جوزها.
رجعت كأم بتحاول توفر استقرار لابنها.
كان بينام في أوضة الضيوف. واحترامه لحدودي كان الحاجة الوحيدة اللي خلتني أقدر أتنفس.
مبقاش يلمسني. مبقاش يرفع صوته. مبقاش يخبي موبايله.
وأوقات كتير كنت أصحى الفجر ألاقيه شايل البيبي ويتمشى بيه في الصالة عشان يسيبني أنام.
كان بيتغير قدامي يوم عن يوم.
بس الچرح كان لسة موجود.
وفي ليلة، بعد حوالي سنة كاملة، كنت قاعدة في البلكونة وابني نايم جوا.
أحمد خرج بهدوء وحطلي كوباية شاي.
قعد بعيد شوية، وبعدين قال أنا عارف إنك عمرك ما هتنسي.
بصيت قدامي وسكت.
كمل بس نفسي في يوم تسامحيني.
لفيت أبصله.
كان شكله مرهق، أكبر من سنه، كأن السنة دي عدت عليه بعشـ . ـر سنين.
قولتله بهدوء النسيان مش بإيدي بس الكره اختفى من زمان.
بصلي بسرعة، وفي عينه أمل صغير خائڤ.
كملت بس الثقة دي أصعب حاجة ترجع.
نزل راسه واستحمل الكلام من غير دفاع.
وده يمكن أول دليل حقيقي إنه اتغير.
دخلت بعدها أشوف ابني، ولما بصيت ورايا لقيته لسة قاعد في البلكونة لوحده، ماسك كوب الشاي البارد، وباصص للسما.
وساعتها بس فهمت إن بعض الغلطات عقابها مش الفراق
عقابها إنك تعيش كل يوم تحاول تصلح قلب كسرته بإيدك، ومهما تعمل يفضل فيه شـ . ـرخ عمره ما يختفي بالكامل.
عدت ثلاث سنين.
ابني بقى بيجري في البيت بصوته العالي وضحكته اللي كانت بترد الروح لأي مكان يدخل فيه.
وأنا بقيت أهدى.
مش سعيدة أوي، ومش مکسورة زي زمان.
حاجة في النص.
حاجة اتعلمت تعيش.
أحمد طول السنين دي كان بيحاول كل يوم. مش بكلام حب. ولا وعود.
بأفعال صغيرة.
يفطرنا قبل ما ينزل. يرجع يجري لو ابنه سخن. يفضل صاحي جـ . ـنبي لو تعبت. يبطل أي حاجة في إيده أول ما أناديه.
كان بيتعامل معايا كإنسانة جرحها بإيده وبيحاول يداويها بحذر.
وفي يوم، وأنا برتب الدولاب، وقع من بين الهدوم صندوق صغير قديم.
فتحته بالصدفة.
لقيت جواه الرسايل اللي كنت مطبعاها زمان رسايله ليها.
كنت محتفظة بيها عشان كل ما أضعف وأسامحه أفتكر.
إيدي اترعشت وأنا بقلب في الورق.
أنا مش طايقها. معاكي بحس إني عايش.
الكلمات لسة بتوجـ . ـع حتى بعد كل الوقت ده.
وفي اللحظة دي دخل أحمد.
أول ما شاف الورق وقف مكانه.
اللون اتسحب من وشه.
بصيتله وسألته بهدوء فاكر دول؟
نزل عينه في الأرض عمري ما نسيتهم.
قولت أنا كنت محتفظة بيهم عشان أكرهك.
رفع عينه يبصلي پألم.
كملت وأنا ببص للورق بس تعبت.
سكت، كأنه مش فاهم.
قومت وروحت ناحية المطبخ، وفتحته على البوتاجاز.
وواحدة واحدة بدأت أحـ ـرق الرسايل.
الڼار مسكت في الورق بسرعة، والكلام الأسود اتحول لرمـ . ـاد قدام عينينا.
أحمد قرب فجأة ليه؟
بصيت للڼار وقلت عشان ابني ميكبرش في بيت مليان كره.
كان ساكت تمامًا.
وأنا لأول مرة من سنين حسيت إن الحمل اللي فوق قلبي خف شوية.
مش عشان نسيت.
ولا عشان اللي حصل سهل.
لكن عشان قررت أبطل أعيش أسيرة للي وجـ . ـعني.
لفيت أبصله وقلت أنا عمري ما هرجع البنت اللي كانت بتثق فيك بعينيها مقفولة وعمري ما هنسى اللي عملته.
دموعه نزلت في صمت.
كملت بس لو هكمل فهكمل بقلب جديد بشـ . ـروط جديدة ولو كسرتني تاني، المرة دي مش هتلاقيني مستنية أصلح حاجة.
هز راسه بسرعة، وصوته خرج مبحوح أقسم بالله ما هخذلك تاني.
بصيتله شوية طويلة.
وكان واضح إننا إحنا الاتنين اتغيرنا.
هو مبقاش الراجل المستهتر اللي كان بيدور على هروبه في حضڼ أي حد.
وأنا مبقتش الست اللي شايفة جوزها عالمها كله.
بقينا اتنين شافوا أسوأ ما في بعض ولسة واقفين.
في نفس الليلة، كنت نايمة وابني في حضڼي، وحسيت بحركة خفيفة جـ . ـنب السـ . ـرير.
فتحت عيني لقيت أحمد بيغطي ابنه كويس عشان البرد.
وابننا، وهو نايم، مد إيده الصغيرة ومسك صباع أبوه.
أحمد ابتسم وقتها الابتسامة اللي كنت فاكرة إني عمري ما هشوفها تاني.
وبصلي بهدوء.
وأنا للمرة الأولى من سنين ما بصتش بعيد.
يمكن لأن بعض الحكايات مبتخلصش بنهاية مثالية.
لكن بتنتهي لما القلوب المکسورة تبطل ټنزف وتتعلم تعيش بالندوب.
تمت
حكايات انجى الخطيب
