دخلت ذريبة صاحب المزرعة عشان تسرق بيضتين تسد جوعها هي وعيالها لكن حظها الوحش خلي صاحب المزرعة يمسكها وخيرها بين حلين وقفت مذهولة قدام الحل التاني ومكنتش مصدقة يطلب منها كدا……
الفراخ صوتها علي في الزريبة ، وفي ثانية كان منصور داخل الزريبة والبندقية في إيده، قميصه مفتوح وعينه فيها قسـ . ـوة واحد قلبه مات ومبقاش يصدق حد. في عزبة المنسي مفيش دبانة تعدي من غير إذنه، وخصوصاً لو الفجر لسه بيشقشق، وعند عشة الفراخ، وبالذات لو اللي داخل ده واحد جوعه كافر وإيده يائسة.
لمحها مستخبية في الخيال، بتلم البيض في كيس قماش قديم، صوابعها كانت رفيعة زي الحطب، وطرف فستانها غرقان طين، وشعرها منكوش على وشها وهي بتنهج نهجان حد بيهرب من المـ ـوت مش بس من الجوع. منصور رفع البندقية وعمرها بصوت يرعب نزلي اللي في إيدك!
ال ج٩بنت اتسمرت، لا صـ . ـرخت ولا اتذللت، فضلت محصنة كيس البيض في حـ ـ ـضنها كأنه حتة من قلبها، أو كأن لو بيضة واحدة وقعت هتبقى دي النهاية. قرب منها منصور خطوتين وبصوت زي الرعد قال قلتلك نزليه!
لفت وشها بالراحة.. كانت لسه صغيرة، بس عينيها فيها وجـ .
ـع وهمّ يشيلوا جبال، عينين واحدة شافت المر واتهانت وخلاص مابقاش فيها حيل للمناهدة. همست بصوت مبحوح أبوس إيدك ما تضـ ـربش
نـ ـار.. والله ما ليّ، دول لعيالي.
منصور جز على سنانه، الكلام ده سمعه ميت مرة، كل حـ . ـرامي وله حجة، اللي أمه عيانة واللي أخوه بيمـ ـوت، مفيش جديد. وعيالك فين بقى يا ست هانم؟
البنت ريقها نشف وبصت ناحية الشجر البعيد ورا المصرف الناشف مستخبيين في الجورة.. ورا الزريبة القديمة.
منصور فضل يمسحها بعينه من فوق لتحت؛ مفيش جاكيت يحميها من برد الفجر، جزمة مقطوعة، وأثر ضـ ـرب زرقا تحت رقبة فستانها. دي مش مجرد واحدة بتسرق عشان تاكل، دي واحدة هربانة من جهنم. مين اللي عمل فيكي كده؟
رفعت راسها بكبرياء غريب دي حاجة ما تخصكش.
منصور ضحك ضحكة صفرا بتسرقي من أرضي وبتقوليلي ما يخصنيش؟
غمضت عينها ثانية، ولما فتحتها الخوف كان اتبخر وحل محله الخجل اسمي رنا.. والناس بيقولولي رينو، أنا ما جيتش هنا عشان أأذيك، اطلب البوليس لو عايز، بس أبوس رجلك خلي العيال ياكلوا الأول.
منصور نزل البندقية شوية معاكي كام عيل؟
اتنين.
عندهم كام سنة؟
خمسة وسبعة.
منصور حس بنغزة في قلبه بس مابينش وأبوهم فين؟
رنا ابتسمت ابتسامة تقطع القلب أبوهم كان أول واحد قبـ ـض تمننا وبعنا.
منصور بطل يسأل، قرب منها وفتح الكيس ببوز البندقية، لقى البيض وحتة قماش وسـ ـكينة صغيرة ونص ميدالية قديمة عليها صورة العذراء، ولقى ورقة مطبقة. رنا اتنفضت وحاولت تخطفها لأ! دي لا!
منصور مسكها من دراعها قبل ما توصل للورقة، جسمها كله خشب كأنها مستنية منه قلم يطير وشها، بس هو سابها بالراحة. فتح الورقة وقرا تلات سطور بس، وحس إن الهوا خلص من صدره. الورقة كان عليها ختم المحكمة، ومكتوب فيها إن مع أول ضوء للفجر، ولاد رنا لازم يتسلموا ل الحاج عزمي سداداً ل ديون أبوهم.
الحاج عزمي..
الاسم ده لوحده كفيل يوقف الدم في العروق، الراجل اللي بيشتري كل حاجة، الأراضي والنفوس، بس أول مرة يسمع إنه بيشتري عيال!
منصور بصلها بنظرة تانية خالص هما بيدوروا عليكي؟
من امبارح.
واشمعنى جيتي هنا؟
عشان العزبة مقطوعة.
مش سبب كافي.
بصت للشجر وصوتها رعد من الخوف عشان أمي كانت شغالة هنا زمان، وقالتلي لو الدنيا ضلمت في وشك تماماً.. روحي لمنصور الزيات.
منصور اتسمر مكانه، ذكرى الست دي كانت زي رصـ ـاصة قديمة في جسمه ووجـ . ـعها صحي فجأة أُمك كان اسمها إيه؟
رنا ملحقتش ترد، لأن في اللحظة دي صوت عربيات نص نقل وصـ . ـرخة كاوتش كـ . ـسرت سكون الفجر، وصوت راجل جلف هز العزبة كلها يا رنا! اطلعي بالذوق.. عارفين إنك مستخبية عند الزيات!
منصور قبـ ـض على بندقيته وقالها ادخلي الزريبة جوه بسرعة!
وعيالي؟
قلت ادخلي!
بس رنا ما اتحركتش، وبإيد بترتعش طلعت من صدرها النص التاني من الميدالية المكسورة. منصور أول ما شافها لونه خطف وبقى زي الأموات، لأن النص التاني من نفس الميدالية كان متعلق في رقبته هو بقاله عشـ . ـرين سنة!
يا ترى رنا تبقى مين بالنسبة لمنصور؟
وإيه السر اللي يخلي رجالة الحاج عزمي مستميتين عشان يخدوها هي وعيالها قبل الشمس ما تطلع؟ وليه الميدالية دي هي مفتاح السر اللي اندفـ ـن من سنين؟
منصور بص للميدالية اللي في إيده وللميدالية اللي في إيد رنا، والزمن كأنه وقف.. شـ . ـريط ذكريات مر قدام عينه في ثانية، صورة ستيتة الخدامة اللي كانت شغالة في بيت أبوه، واللي حبها زمان وكانوا هيتوفقوا لولا جبـ ـروتأبوه اللي طردها وهي حامل ومسح سيرتها من الدنيا. فاق من صدمته على صوت خبط رزيق على بوابة الزريبة وصوت الحاج عزمي وهو بيزعق افتح يا زيات..
إحنا عارفين إن البت عندك، دي مالنا وعيالها سداد دين، والشـ . ـرع والقانون معانا!
منصور سحب رنا من دراعها ودخلها ورا كوم تبن عالي، وبص في عينها بجمود وقال انتي بنت ستيتة؟ رنا هزت راسها بدموع وهي مش فاهمة حاجة، منصور كمل كلامه وهو بيعمر البندقية بطلقتين جداد اقعدي هنا وما تنطقيش نفس، عيالك في رقبتي لو فيها مـ ـوتي.
خرج منصور ووقف قدام بوابة الزريبة، فتحها ببطء وهو شايل البندقية على كتفه ببرود
يحـ ـرق الدم. الحاج عزمي كان واقف ومعاه أربعة رجالة بشنبات كأنهم غولة، ومعاهم ورق متدبس. عزمي ضحك بشـ .
ـر نورت يا زيات، هات الأمانة اللي عندك وخلونا نخلص، الحساب بينا كبير والورق ده يخلي الحكومة نفسها تقف معانا.
منصور نفث دخان سيجارته اللي ولعها فجأة وقال الورق ده تبلّه وتشـ . ـرب ميته يا عزمي.. البت دي وعيالها في عرضي، والكلمة دي في عزبة المنسي معناها إن اللي هيقربلهم روحه هتطلع قبل ما يلمس طرف فستانها.
عزمي وشه احمر وصـ . ـرخ دي ديون يا منصور! جوزها بايعهم لي رسمي بموجب تنازل عن الوصاية، والعيال دي هتتربى في مخازني عشان يسدوا اللي عليهم!
منصور نزل البندقية وصوبها ناحية رجل عزمي بالظبط مفيش حد بيشتري بني آدمين في زمني يا عزمي. والديون اللي بتتكلم عنها، بكرة الصبح تكون في حسابك بالمليم.. بس دلوقتي، خد رجالتك وغور من قدامي قبل ما الفجر يشهد على أول قتيل.
الرجالة حاولوا يتحركوا، بس منصور صفر صفارة واحدة، طلع من ورا الشجر والبيوت بتاع عشـ . ـرين غفير من رجالة العزبة، كلهم شايلين شوم وسلاح. عزمي عرف إن اللعبة خسرانة، ركب عربيته وهو بيتوعد مش هسيبك يا زيات، والميدالية اللي معاها دي هحـ ـرق قلبك بيها.
أول ما العربيات مشيت، منصور دخل الزريبة بجري، لقى رنا منهارة في الأرض. نزل لمستواها وبص للميدالية وقال بصوت مخـ . ـنوق أمي كانت بتقولي إن النص التاني من الميدالية دي مع أختي اللي ماتت وهي لسه في اللفة.. أتاريها خبتك عن الدنيا كلها عشان تحميكي من قسـ . ـوة عيلة الزيات.
رنا بصتله بذهول يعني أنت.. أنت أخويا؟
منصور بدموع نادرة نزلت من عينه أنا السند اللي اتأخر عشـ . ـرين سنة يا رنا.
عدى أسبوع، وكانت العزبة كلها مقلوبة فرح. منصور جاب العيال من ورا المصرف، وعمل ليهم أوضة في بيته الكبير كأنهم ولاده.
الحاج عزمي مابقاش له حس بعد ما منصور دفع الديون وزيادة، وقطع الورق اللي كان كأنه حبل مشنقة حوالين رقبة رنا.
قعد منصور في الجـ . ـنينة، ورنا جـ . ـنبه بتشـ . ـرب شاي، والعيال بيلعبوا قدامهم. منصور طلع الميدالية الكبيرة بعد ما لحم النصين في بعض عند الصايغ، وبقت حتة واحدة بتلمع تحت شمس العصر. بص لرنا وقالها النهاردة بس الميدالية كملت، والعيلة رجعت.. ومحدش في الدنيا يقدر يكسرنا تاني. رنا سندت راسها على كتف أخوها لأول مرة في حياتها وهي حاسة إن الجوع والتشـ .
ـرد بقوا مجرد كابـ ـوس بعيد، والفجر اللي كان بيخوفها، بقى هو اللي بيعلن بداية حياتها الجديدة.
منصور مسبش الموضوع يخلص عند حد حماية رنا والعيال وبس، كان عارف إن عزمي زي التعبان، لو مكـ . ـسرتش دماغه هيلف ويرجع يلدغ تاني.