منوعات

عزبة منصور حكايات انجى الخطيب

تاني يوم الصبح، والشمس لسه بتبدأ ترسم خيوطها على شجر الجميز، منصور لبس جلبابه الصوف وحط مسدسه في جـ . ـنبه، وطلب من رضوان ذراعه اليمين يجمع كبارات العزبة كلهم في المندرة.
دخل منصور المندرة، وكان عزمي قاعد والغل بياكل في قلبه، وحواليه كبار المنطقة. منصور رما الميدالية الملحومة على التربيزة في النص، وصوت رنتها عمل سكتة في القاعة.

منصور اتكلم بصوت هادي وفيه هيبة يا حاج عزمي، الدين اللي بتقول عليه بتاع جوز رنا، أنا سددته بشيك مقبول الدفع واصلك النهاردة، والورقة اللي معاك بالتنازل عن العيال، دي ورق بلطجة مش قانون، ولو وصلت للمركز أنت عارف إنك هتتجاب بتهمة اتجار في البشـ . ـر.
عزمي قام وقف وهو بيزعق والأصول يا زيات؟ الأصول إن اللي يمد إيده على مال غيره يتحاسب!
منصور قرب منه خطوة واحدة، وعينه كانت زي الصقر الأصول بتقول إن البنت دي لحمي ودمي، وأنا الزيات اللي الأرض بتخاف من خطوته.. رنا مش بس أختي، دي بقت صاحبة نص العزبة دي شـ .

ـرعاً وقانوناً، ميراث أبويا اللي انحرمت منه هي وأمها، أنا رديته لها النهاردة.
عزمي بص للرجالة حواليه لقى الكل مطاطي راسه، ومنصور كمل بلهجة قاطعة أي حد في العزبة أو براها هيفكر بس يرمي خيال على بيت رنا، يبقى بيعلن الحرب على منصور الزيات.. والصلح بيني وبينك يا عزمي إنك تنسى إن ليك ديون، وتنسى الطريق ده خالص، وإلا هفتح ملفات قديمة أنا وأنت عارفين إن قفلها كان بفلوس كتير.

عزمي سحب نفسه وخرج وهو بيبرطم، ومنصور رجع البيت لقى رنا واقفة قدام العشة اللي كانت بتسرق منها البيض، بس المرة دي كانت لابسة لبس نضيف، والعيال في إيديهم سندوتشات وبيلعبوا حواليها.
رنا بصت لمنصور وقالتله بكسوف كنت فاكرة إن الدنيا خلاص قفلت يا منصور.. مكنتش أعرف إن البيضتين اللي جيت أسرقهم عشان أسد جوع ولادي، هما اللي هيرجعولي أخويا وحقي.
منصور ضحك من قلبه، ورفع أصغر عيل فيهم على كتفه وقالها دي مش سرقة يا رنا، دي كانت نداهة عشان ترجعك لبيتك. ومن النهاردة، مفيش حد من عيالي هيجوع تاني، والبيت ده بابُه مفتوح ليكي وليهم ليوم الدين.

اتلمت العيلة على سفرة واحدة لأول مرة من عشـ . ـرين سنة، والسر اللي كان مدفون تحت تراب العزبة، بقى هو السند اللي رنا بتسند عليه ضهرها وهي مطمنة إن الشمس اللي طلعت النهاردة، مش هتغيب تاني أبدًا.
ومرت الأيام، وعزبة المنسي مابقاش اسمها المنسي، الناس بقوا يسموها عزبة الزيات من كتر الهيبة والخير اللي بقى فيها. منصور محبسش رنا جوه
البيت، بالعكس، بنالها بيت كبير جـ . ـنب بيته، وفتح لها مشـ . ـروع صغير تربي فيه طيور وتوزع على أهل العزبة الغلابة، عشان تفضل فاكرة دايما إن اللقمة المرة هي اللي وصلتها لبر الأمان.

في يوم، رنا كانت قاعدة مع منصور في الشـ . ـرفة، والعيال ياسين وزياد كبروا شوية وبقوا يروحوا المدرسة في البندر بعربية مخصوص. رنا بصت لمنصور وقالتله تعرف يا أخويا، ساعات بليل بصحى مخضوضة وبفتكر صوت تعميرة البندقية وصوتك وأنت بتقولي نزلي اللي في إيدك.. بحس إن كان كابـ ـوس.
منصور ابتسم وهو بيعدل الميدالية اللي بقت محطوطة في برواز ذهب على الحيطة دي كانت قرصة ودن من الدنيا يا رنا، عشان تعرفي إن الحق مابينامش. عزمي النهاردة سمعت إنه صفي أعماله ومشي من البلد خالص، الأرض مابتشيلش ظالم يا خيتي.

فجأة دخل رضوان وهو بيضحك ومعاه كرتونة بيض كبيرة يا ست رنا، الفراخ النهاردة مبيضة بزيادة، والعيال في العزبة مستنيين نصيبهم.
رنا قامت بضحكة صافية، الضحكة اللي غابت عن وشها سنين، ومسكت الكرتونة وبدأت توزع بنفسها. منصور كان بيبص عليها من بعيد وهو حاسس براحة لأول مرة في قلبه. . القسـ . ـوة اللي كانت في عينه دابت، والغلظة اللي في قلبه اتبدلت بحنان الأخ اللي لقى ضالته.

وفي ليلة من ليالي الشتا، ومنصور قاعد بيقفل شبابيك البيت، لمح رنا واقفة قدام صورة أمها ستيتة اللي صورها ومنصور كبرها وعلقها في صدر الصالة، كانت رنا بتبوس الصورة وتهمس ارتاحي يا أمي.. منصور طلع قد الأمانة، والولاد بقوا في حـ ـ ـضن راجل مبيخافش غير من اللي خلقُه.
قفل منصور النور، وهو عارف إن عيلة الزيات مابقتش مجرد اسم، دي بقت قلعة، بابها مفتوح لكل محتاج، وسورها عالي قدام أي حد يفكر يكسر خاطر يتيم أو يذل إيد كانت في يوم يائسة. وانتهت حكاية رنا والبيضتين، بإنها مابقتش محتاجة تسرق عشان تعيش، بقت هي اللي بتأكل العزبة كلها..

بالحب والستر. لكن الحكايات اللي بتبدأ بوجـ . ـع مابتخلصش بسهولة، وماضي عزمي كان لسه فيه شوكة أخيرة. في ليلة كان القمر فيها غايب، منصور صحي على صوت خروشة غريبة ناحية الزريبة القديمة، نفس المكان اللي شاف فيه رنا لأول مرة. قام وسحب بندقيته وخرج بالراحة من غير ما يحسس حد.
هناك، لمح خيال حد بيحاول يولع نـ ـار في كومات التبن اللي ساندة على بيت رنا الجديد. منصور هجم عليه زي النمر ومسكه من قفاه قبل ما الكبريت يلمس القش. ولما لفه لوشه، كانت الصدمة.. مكنش عزمي، ده كان صالح، جوز رنا اللي باعها وباع عياله!

صالح كان وشه شاحب وهدومه مقطعة، وقع تحت رجل منصور وهو بيترعش سامحني يا زيات.. عزمي هو اللي وزني، قالي احـ ـرق قلبهم عشان يرجعولي العيال وأنا أتنازلك عن الكمبيالات اللي عليا.
منصور مسكه من رقبة قميصه ورفعه لفوق أنت لسه ليك عين تيجي هنا؟ أنت بعت عرضك يا ناقص! ده أنا لو قـــ ـتلتك دلوقتي ودفـ ـنتك مكانك مفيش كلـ ـب هيسأل فيك.
رنا صحيت على الصوت وخرجت تجري، ولما شافت صالح، اتجمدت مكانها. صالح بدأ يزحف ناحيتها يا رنا.. سامحيني، أنا أبو عيالك، الفقر كفرني يا بنت الناس.

رنا بصتله بنظرة كلها قرف، نظرة واحدة مكسورة مابقاش فيها غير القوة، وقالت بصوت ثابت أبو عيالي مات يوم ما سابهم جوعانين وراح يقبـ ـض تمنهم. أنت مالكش مكان هنا، ولا ليك عيال عندنا.
منصور بص لصالح وقال بلهجة ترعب اسمع يا صالح، أنا هسيبك تمشي لسبب واحد بس، إنك كنت في يوم من الأيام سبب في إن العيال دي تيجي الدنيا، وعشان رنا ميتلوثش اسمها بدم واحد زيك. لكن لو شفت خيالك في العزبة تاني، قسماً بالله ما هرحمك.

صالح جري زي الفار في الضلمة، ومنصور لف لرنا وطبطب على كتفها متخافيش، الشجر الميت لازم يتقلع عشان الشجر الجديد يطرح.
ومن اليوم ده، منصور قرر ينهي القصة تماماً. جمع كل الورق والكمبيالات اللي تخص أهل العزبة عند عزمي واشتراها كلها بفلوسه، وحـ ـرقها وسط الساحة قدام الكل، وقالهم من النهاردة مفيش حد مديون لحد غير للي خلقه، والعزبة دي يد واحدة.
عاشت رنا مع أخوها في تبات ونبات، وياسين وزياد كبروا وبقوا سند لخالهم ومنصور بقى بيشوف فيهم العوض عن السنين اللي عاشها وحيد.

والميدالية الملحومة فضلت متعلقة في مدخل البيت، تحكي لكل اللي يدخل إن الأصل غلاب، وإن اللي بيستر ولاد الناس، ربنا بيسخـ ـ ـرله اللي يستره في عز ضيقته.
ونهاية القصة كانت مشهد لرنا وهي واقفة في نفس الزريبة، بس المرة دي بتجمع البيض في سلة ، وبتديه لواحد فقير معدي، وبتقوله بابتسامة خد يا أخويا.. ده رزق عياله، الرزق بيحب الخفية، والحلال مفيش أحلى منه.
تمت
حكايات انجى الخطيب

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى