قربت منه بخطوات ثابتة رغم إن رجلها كانت بتترعش من التعب، وقفت قدامه والمسافة بينهم بقت سنتيمترات. عشيقته بصت لهند باستغراب وخوف، وهي لسه ساندة على كتف عمر، وقالت بصوت مسموع: “مين دي يا عمر؟”.
عمر حاول يبلع ريقه، صوته طلع مهزوز ومخنوق: “هند.. أنتي.. أنتي إيه اللي جابك هنا؟ وياسين ماله؟”
هند بصت للطفل اللي في حض*نه، وبعدين بصت له وقالت بابتسامة صفرا تكسر القلب:
“جيت أشكرك يا عمر.. جيت أشكرك عشان ورتني إن (الميتنج المهم) بتاعك كان إنك تبقى راجل لبيت غير بيتك، وأب لطفل غير ابنك اللي بيم*وت جوه.
مكنتش أعرف إن الشغل بيحتاج حنية وتطبطب في ممرات المستشفيات.”
عمر ساب إيد الست التانية وحاول يقرب من هند: “هند، افهميني، الموضوع مش زي ما أنتي فاهمة، الولد كان تعبان ومكنش فيه حد يلحقه..”
قاطعته هند بصوت هادي ومرعب، ونبرة حدة السكاكين:ولا كلمة.. ولا حرف زيادة. الطفل اللي في ح*ضنك ده، ربنا يشفيه، ملوش ذنب في قذارتك. بس ابني أنا، اللي مرمي جوه بين الحيا والمو*ت، ملوش أب من اللحظة دي. أنت متّ يا عمر.. متّ في نظري ونظره من ساعة ما طفيت شمعة غريب ونسيت ضناه.”
في اللحظة دي خرج الممرض بيجري: “والدة الطفل ياسين؟
الحالة صعبة ومحتاجين إشاعات فوراً.”
هند لفت ضهرها لعمر وكأنها سابت وراها كوم زبالة، وجريت مع الممرض وهي بتلهث. عمر وقف مكانه متسمر، الست اللي معاه بتشده من دراعه وتقوله “في إيه يا عمر؟ مين دي؟”، وهو مش سامعها.. كان باصص لضهر هند اللي كان مفرود بكرامة توجع، ولأول مرة يحس إنه فعلاً خسر كل حاجة في لحظة “رخص”.
دخلت هند أوضة الكشف، لقت ياسين بدأ يفتح عينه بتعب، أول ما شافها همس بصوت مقطوع: “ماما.. بابا جه؟”
هند بلعت غصتها، وبست راسه وهي بتعدل له الغطا وقالت بجمود:
“بابا مطلعش شريك رحلة يا ياسين..
بابا كان مجرد ضيف وخرج من حياتنا. من النهاردة، أنا السند وأنا الظهر، وما تخافش.. إحنا مش محتاجين حد بيوزع هداياه على الغربا وقلبه فاضي من جوه.”
ومن شباك الأوضة، شافت عمر وهو خارج من المستشفى بيجر أذيال الخيبة، والست اللي معاه ماشية وراه بتعاتبه.. بصت للسما وقالت في سرها: “يا رب، زي ما حر*ق قلبي في ليلة عيده، برد نــ,,ـــــاري في حقي وحق ابني.” ومن اللحظة دي، هند مكنتش بتبكي.. كانت بتخطط لنهاية “عمر” في حياتها للأبد.
هند في اللحظة دي كانت زي اللي خدت “بنج” موضعي لقلبها، مابقتش حاسة بوجع، هي بقت حاسة بوضوح مرعب.
ياسين بدأ يغيب في النوم تاني من أثر المسكنات، وهي قاعدة جنبه، ماسكة إيده اللي لسه دافية من السخونية، وعينها مش بتفارق الباب.. مش مستنية عمر، لأ، هي مستنية “هند الجديدة” اللي هتخرج من المستشفى دي.
بعد ساعتين، الباب اتفتح بهدوء، وعمر دخل. وشه كان باهت، ولبسه متكرمش، وعينه مش قادرة تيجي في عينها. وقف بعيد عن السر*ير، وهمس بصوت مكسور:
— “ياسين عامل إيه دلوقتي؟ الدكتور طمنك؟”
هند ما ردتش، فضلت بصة لياسين وكأنه مش موجود في الأوضة. عمر قرب خطوة كمان، وقال بلجلجة:
— “هند، أنا عارف إن المنظر كان وحش، بس والله هي جارتي، وابنها كان بيقطع القلب وما لقيتش حد يلحقها، والشهامة..”
هند ضحكت.. ضحكة مكتومة وسخرية قطعت كلامه. لفت وشها له وبصت له من فوق لتحت وقالت بنبرة خلت جسمه يقشعر:
— “شهامة؟ أنت بتعرف تنطق الكلمة دي؟ الشهامة دي يا عمر اللي خلتك تشتري هدايا بآلاف لواحد غريب وتنسى تجيب كيس بونبوني لابنك؟ الشهامة هي اللي خلتك تشيل ابنها على كتافك وأنت مش طايق تلمس إيد ابنك في عيده؟”
عمر حاول يدافع عن نفسه: “ما كنتش أعرف إن ياسين هيتعب كده، أنا كنت فاكر إنك..”
— “كنت فاكر إني هبلة؟” قاطعته بقوة وهي بتقوم تقف قدامه. “أنا شوفت الصور يا عمر. شوفت الفرحة في عينك وأنت بتطفي الشمع معاه. الصور دي مش بس كشفت خيانتك كزوج، دي كشفت رخصك كأب. أنت النهاردة ما خسرتنيش أنا بس، أنت خسرت الولد اللي كان بيعتبرك بطله.”
عمر نزل راسه في الأرض وصوته بدأ يتهز: “طيب خلاص، اهدي، المهم ياسين يقوم بالسلامة وكل حاجة هتتحل.”
هند قربت منه، لدرجة إنه شم ريحة التعب والوجع اللي فايحة منها، وقالت له بكلمات واضحة زي الرصاص:
— “مفيش حاجة هتتحل.. لأن مفيش حاجة باقية أصلاً عشان تتحل.
أنت هتمشي دلوقتي، مش عايزة ياسين يفتح عينه يشوفك. شنطتك هتلاقيها عند البواب لما نرجع، والورقة اللي بينا هتوصلك لحد عندك.. وأبقى خلي ‘الشهامة’ تنفعك وأنت بتدور على حد يسامحك على كسر قلب طفل ملوش ذنب غير إنه كان فاكرك سند.”
عمر حاول يمسك إيدها: “هند، ما تخربيش بيتك عشان غلطة..”
هند نفضت إيدها بقرف وراحت فتحت باب الأوضة وشاورت له لبره:
— “بيتي اتخرب من الساعة اللي أنت قررت فيها تبقى أب بالإيجار لغير ابنك. اطلع بره يا عمر.. بره حياتنا للأبد.”
خرج عمر وهو بيجر رجليه، وفي الممر لمح طيف الست التانية وهي واقفة مستنياه بعيد، بص لها وبص لباب أوضة ابنه، وحس لأول مرة إنه بقى “غريب” عن كل الأماكن، ملوش مطرح ولا ليه قيمة.
هند قفلت الباب بالمفتاح، سندت ضهرها عليه، وغمضت عينها وهي بتسمع صوت أنفاس ياسين المنتظمة.. لأول مرة من سنين، تحس إنها قوية، مش عشان هي عايزة تبقى قوية، لكن عشان مابقاش عندها خيار تاني غير إنها تكون “الجيش” اللي هيحمي ياسين من غدر الأيام ومن قسوة أبوه