منوعات

حرمني زوجي السابق

لماذا كل هذه العينات؟
قالت بهدوء
إجراءات روتينية.
لكن صوتها لم يكن روتينيًا.
انتظرت في الممر قرابة ساعة.
مرتضى كان يجلس على كرسي بعيد، يضع رأسه بين يديه.
لم أقترب منه.
ولم يقترب مني.
كنا شخصين يجلسان بين باب غرفة طفلتهما وبين كارثة لم تُعلن بعد.
ثم خرجت الدكتورة مريم.
لم تكن وحدها.
كان معها طبيب آخر، أكبر سنًا، يحمل ملفًا أزرق.
نظرت إليّ، ثم إلى مرتضى.
وقالت
نحتاج إلى إعادة الفحص.
وقف مرتضى
فورًا.
لماذا؟ هل هناك خطأ؟
لم تجبه مباشرة.

قالت
أحيانًا تظهر نتائج غير واضحة، ونحتاج إلى التأكد.
لكنني رأيت وجهها.
لم يكن وجه طبيبة أمام نتيجة غير واضحة.
كان وجه إنسانة رأت شيئًا لا تريد أن تصدقه.
أُعيد سحب العينة.
هذه المرة، لم تسألني الممرضة شيئًا.
كانت تتحرك بحذر غريب.
كأن الغرفة كلها صارت تعرف سرًا لا أعرفه أنا.
بعد ساعتين، استدعونا إلى مكتب الطبيب المسؤول.
دخلت أنا ومرتضى.
كان المكتب باردًا أكثر من اللازم.
على الطاولة ملفات كثيرة.
وفي المنتصف
ملف سارة.
جلس الطبيب الكبير، وإلى جانبه الدكتورة مريم.

بدأ كلامه ببطء
السيدة زهراء السيد مرتضى قبل أن نتحدث عن الزراعة، هناك أمر يجب توضيحه.
شدّ مرتضى يده على حافة الكرسي.
أما أنا، فشعرت أن الهواء اختفى من الغرفة.
قال الطبيب
فحوصات المطابقة لا تعتمد فقط على إمكانية التبرع، بل تكشف أحيانًا علاقات جينية أساسية داخل العائلة.
لم أفهم.
أو ربما فهمت ورفض عقلي أن يكمل.
قلت
ماذا تقصد؟
نظر الطبيب إلى الملف، ثم رفع عينيه نحوي.
النتائج الأولية، ثم نتائج الإعادة أظهرت أن هناك استحالة جينية في علاقة الأمومة بينك وبين سارة.
تجمدت.
لم أتحرك.

لم أرمش.
حتى صوتي اختفى.
مرتضى وقف فجأة.
ماذا تقول؟
قال الطبيب بهدوء
أقول إن الفحوصات تشير إلى أن السيدة زهراء ليست الأم البيولوجية لسارة.
شعرت أن الأرض مالت.
تمسكت بطرف الطاولة.
هذا غير ممكن.
خرجت الجملة مني همسًا.
أنا حملت بها أنجبتها رأيتها أول مرة
في غرفة الولادة.
قالت الدكتورة مريم برفق
لهذا السبب أعدنا التحليل أكثر من مرة.
مرتضى كان ينظر إليّ كأنه لا يراني.
ثم قال بعصبية
أكيد هناك خطأ في المختبر.
رد الطبيب
لهذا استدعينا لجنة طبية.

أُعيدت العينات بأسماء مشفرة، والنتيجة نفسها.
ثم صمت لحظة.
وهنا شعرت أن هناك شيئًا أسوأ.
سألت بصوت بالكاد خرج
ورُبى؟
نظر الطبيب إلى الدكتورة مريم.
ثم قال
نحتاج إلى فحص رُبى أيضًا.
ارتجف مرتضى.
لأول مرة منذ عرفته
رأيت الخوف الحقيقي في عينيه.
ليس خوف الأب على ابنته فقط.
بل خوف رجل يعرف أن الماضي بدأ يخرج من قبره.
قلت له
اتصل بها.
قال
هي عند أمي.
قلت بحدة لم أعرف أنها ما زالت داخلي
اتصل بها الآن.
أخرج هاتفه بيد مرتجفة.

اتصل بوالدته، وطلب أن تأتي برُبى فورًا إلى المستشفى.
ثم جلس.
لكن وجهه كان يقول إن شيئًا ما تحطم داخله.
بعد أقل من ساعة، وصلت رُبى.
ركضت في الممر، ثم توقفت عندما رأتني.
كبرت.
كبرت كثيرًا.
لم تعد الطفلة ذات الضفيرتين التي كانت تتعلق بثوبي عند باب المدرسة.
لكن عينيها
كانتا كما هما.
نظرت إليّ طويلًا.
ثم همست
ماما؟
انهرت.
لم أستطع التماسك.
ركعت أمامها
كانت نحيلة، دافئة، حقيقية.
قالت وهي تبكي
قالوا لي إنك ما بدك تشوفينا.
أغمضت عيني بقوة.

شعرت أن شيئًا داخلي يحترق.
لا يا حبيبتي لا كل يوم كنت أحاول.
نظرت إلى مرتضى.
لم يرفع عينيه.
وهذا كان اعترافًا صامتًا.
أخذوا عينة من رُبى.
انتظرنا.
هذه المرة كان الانتظار أكثر قسوة.
لأننا
لم نعد ننتظر فقط متبرعًا لسارة
كنا ننتظر إجابة عن سؤال مخيف
من هي ابنتي حقًا؟
خرج الطبيب بعد وقت بدا كأنه عمر كامل.
كان وجهه أكثر جدية.
قال
رُبى ابنتكما بيولوجيًا.
تنفست بصعوبة.
ثم تابع
لكن سارة ليست كذلك.
ساد صمت طويل.

طويل لدرجة أنني سمعت بكاء طفل من غرفة بعيدة.
قلت
إذن من تكون سارة؟
لم يجب الطبيب فورًا.
فتح ملفًا آخر.
قال
هناك احتمالان. إما خطأ تبديل في المستشفى وقت الولادة أو أن هناك تلاعبًا متعمدًا في السجلات.
مرتضى رفع رأسه بسرعة.
تلاعب؟
نظر إليه الطبيب بثبات.
نعم. خصوصًا أن سارة ورُبى مسجلتان كتوأم، لكن فحوصات الـ,ـدم الحالية لا تدعم ذلك.
وضعت يدي على فمي.
ليستا توأمًا؟
كل حياتي
كل صوري
كل ذكرياتي
كل الألم الذي عشته
كان مبنيًا على حقيقة ناقصة.

ثم قالت الدكتورة مريم
نحتاج إلى سجلات الولادة الأصلية.
هنا تغيّر وجه مرتضى تمامًا.
تغير بطريقة لم تفهمها الدكتورة، لكنني فهمتها.
كان هناك شيء يعرفه.
سألته بهدوء مخيف
ماذا تخفي؟
قال بسرعة
لا شيء.
لكن صوته خانه.
اقتربت منه خطوة.
مرتضى ابنتك على سرير المرض. إذا كنت تعرف شيئًا، قل الآن.
بقي صامتًا.
ثم انفتح باب المكتب.
دخلت والدته.
كانت تمسك حقيبتها بقوة، ووجهها شاحب كأنها سمعت كل شيء من خلف الباب.
نظرت إلى مرتضى وقالت
قلت لك يومها لا تفعل.

التفتنا جميعًا إليها.
لم يتحرك أحد.
قال مرتضى بصوت غاضب
أمي اسكتي.
لكنها لم تسكت.
جلست على الكرسي وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
ثم قالت وهي تنظر إليّ
سارة لم تكن ابنتك من البداية.
شعرت أن الكلمات ضربت صدري.
قلت
ماذا؟
بدأت تبكي.
في يوم الولادة ماتت الطفلة الثانية بعد دقائق.
لم أفهم الجملة.
أو لم أرد أن أفهمها.
قالت بصوت متقطع
أنتِ كنتِ

تحت التخدير ومرتضى كان خائفًا. خائفًا منكِ، خائفًا من أهله، خائفًا من الفضيحة، وخائفًا أن تنهاري. وفي نفس الليلة كانت هناك طفلة حديثة الولادة بلا أهل واضحين
صرخت
كفى.
لكنها أكملت
هو وقّع أوراقًا ودفع مالًا وسُجلت الطفلة باسمكما.
نظرت إلى مرتضى.
لم ينكر.
لم يصرخ.
لم يدافع عن نفسه.
فقط جلس
وانهار وجهه بالكامل.
قلت له بصوت لم أتعرف عليه
ابنتي ماتت؟
لم يرد.
قلت مرة أخرى
ابنتي ماتت وأنت أخفيت عني؟
رفع عينيه، وكانت ممتلئتين بالـ,ـدموع.

كنتِ ضعيفة والطبيب قال إنك قد لا تتحملين الصدمة
ضحكت.
ضحكة قصيرة، مكسورة، غريبة.
فقررت أن تسرق حزني؟
لم يجب.
اقتربت منه.
لم تكتفِ بأن تخـ,ـفي مـ,ـوت طفلتي بل أخذت الطفلة التي ربيتها، ثم حرمتني منها، وقلت للمحكمة إنني لا أصلح أن أكون أمًا؟
وضع يده على وجهه.
قال هامسًا
كنت خائفًا أن تعرفي.
لا.
قلت ببطء
كنت خائفًا أن تُفضح.
سقط الصمت على الغرفة.
ثم جاء صوت الطبيب، هادئًا لكنه حاسم
الآن، أهم ما لدينا هو إنقاذ سارة.

إذا كانت ليست منكما بيولوجيًا، يجب أن نصل إلى عائلتها الأصلية بأسرع وقت. قد يكون أحد أقاربها متبرعًا مناسبًا.
رفعت رأسي.
كيف؟
قال
من خلال سجلات المستشفى القديمة إن كانت موجودة. ومن خلال أي اسم أو ورقة أو شخص شارك في ذلك.
نظرت إلى مرتضى.
من ساعدك؟
لم يرد.
فقالت أمه
الدكتور نادر.
تجمد مرتضى.
قالت الدكتورة مريم
نادر من؟
قالت الأم
نادر الكيلاني كان طبيب النساء في ذلك الوقت.
شعرت أن اسمه يفتح بابًا آخر.

بابًا مظلمًا.
قال الطبيب الكبير ببطء
الدكتور نادر الكيلاني؟
نظرت إليه.
هل تعرفه؟
تبادل هو والدكتورة مريم نظرة سريعة.
ثم قال
هذا الطبيب تم التحقيق معه قبل سنوات في قضايا تلاعب بملفات ولادة لكن لم تثبت كل التهم.
شعرت أن الغرفة تدور.
لم تكن سارة مجرد طفلة تم تسجيلها بدل طفلتي الراحلة.
ربما كانت جزءًا من شيء أكبر.
شيء أبشع.
شيء لم يبدأ بي
ولم ينتهِ عندي.
في تلك اللحظة، خرجت ممرضة مسرعة من غرفة سارة.
قالت للطبيب
دكتور سارة استيقظت وتسأل عن أمها.

توقف الزمن.
نظرت إليّ الممرضة، ثم إلى مرتضى، ثم قالت بتردد
هي تقول أريد أمي زهراء.
لم أستطع التنفس.
كل الحقائق، كل التحاليل، كل الأسرار
انهارت أمام جملة واحدة.
أنا لم أحمل سارة في جسدي.
لكنها حملتني في قلبها.
ركضت نحو الغرفة.
وعندما فتحت الباب، رأيتها تنظر إليّ بعينين متعبتين.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت بصوت ضعيف
ماما تأخرتِ.
جلست بجانبها، أمسكت يدها، وقلت وأنا أبكي
لن أتأخر مرة أخرى.
لكن خلف الزجاج
كان مرتضى يقف محطّمًا.
ليس لأنه خسرني.

ولا لأنه خاف على سارة فقط.
بل لأنه أدرك أن الكذبة التي بناها ليحمينا
كانت هي نفسها التي ستدمّر كل شيء.
وفي تلك اللحظة، رن هاتف الطبيب الكبير.
ردّ بسرعة.
استمع لثوانٍ.
ثم تغيّر وجهه.
أغلق الهاتف ببطء، ونظر إلينا من خلف الزجاج.
وقال بكلمة واحدة
وجدنا السجل الأصلي.
ثم صمت.
قبل أن يضيف
لكن اسم الأم الحقيقية لسارة سيصدمكم أكثر من كل ما عرفتموه.
لكن اسم الأم

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى